استقبال  |  أسئلة متداولة  |  مواقع هامة  |  Protected By Assali DevMaster  |  الأسرة العاملة  |  Protected By Assali DevMaster
النشرة الإلكترونية لجريدة الشعب التونسية الأحد 7 ديسمبر 2013
Protected By Assali DevMaster  |  Protected By Assali DevMaster  |  Protected By Assali DevMaster  |  Protected By Assali DevMaster  |  محاضرات  |  قانون الصحافة
خدمة الأخبار السريعة

آخر الأخبار

ساتـذة الثانــوي يقاطعــون العــودة المدرسيــة النقابيون والانتخابات: مستقلون لا محايدون... جلسة الاثنين ستكون حاسمة: هل يتنازل مهدي جمعة ووزراؤه لصالح العباسي وأعضاده؟ الكاتب العام للاتحاد الجهوي للشغل بصفاقس: سنبعث مرصدا نقابيّا لمراقبة الانتخابات التشريعية و الرئاسية و معاينتها امكانية تأجيل العودة المدرسية ؟ اتحاد الشغل يقرر عدم المشاركة في الانتخابات القادمة وبعث مرصد وطني لمراقبة الانتخابات بعد أن بنوا مدرسة حشاد بفلسطين: طائرة نقابية محملة بالأدوية لأطفال غزة وفد نقابى ألماني فى زيارة بثلاثة أيام إلى تونس: دعم ترشيح اتحاد الشغل لجائزة نوبل للسلام بعد لقاءات بين نقابة التعليم الأساسي ومستشاري الوزير: ترقية 20 ألف معلم في انتظار حركة النقل وتسوية هذه الوضعيات العباسي يتهم السحباني بالعمل على تفكيك أوصال الحركة النقابية
صور هذا الأسبوع  
  • Candle
  • Candle
  • Candle
  • Candle
  • Candle
  • Candle
صـورة 1 الى 6 على 113     الصور اللاحقة »
فيديوتاك الشعب  
بريد القراء  
يسعدنا تلقي ردود كم و تعاليقكم على المقالات التي استأثرت باهتمامكم و سيتم لاحقا دراسة مقترحاتكم و محاولة الإجابة على تساؤلاتكم وإمكانبة نشرها عبر موقعنا فلا تترددوا في التفاعل مع جريدتكم
 
أخبار من مؤاقع مختلفة  
ارسل هذا الموقع لصديق  
إسم المرسل
البريد الإلكتروني للمستقبل
التعليق
 
بحث متقدم  
أبحث عن
في      
العـــدد
أبواب المجلة
عددالنتائج/الصفحة  
 
الارشيف  
العدد الحالي  :الأحد 7 ديسمبر 2013
العدد السابق »
بريد القراء
قائمة الرسائل

الأحد 22 ماي 2010
الباعث : قسم التحرير


دروس اضافية لتلاميذ الباكالوريا

التدرب‭ ‬على‭ ‬أشكلة‭ ‬موضوع‭ ‬سؤال

الأستاذ‭ ‬الهادي‭ ‬عبد‭ ‬الحفيظ
أستاذ‭ ‬أول‭ ‬للفلسفة‭ ‬

المقدمة‭ :‬
إيمانا منا بأن تحصيل الذات المفكرة للمعارف لا يستقيم إلا باكتساب مقومات التفكير المنهجي دعتنا الوثيقة التي أعدتها وزارة التربية سنة 1999 تحت عنوان »التدريب على كتابة المقال الفلسفي « على ضرورة: »تجنب تقديم دروس نظرية صرف في المنهجية و الاعتماد على جعل حصة المنهجية حصة عمل تطبيقي قصد« انجاز مهام تؤدي إلى تحقيق مقصد مركزي يمكن صياغته كما يلي: » أن يصبح المتعلم قادرا على كتابة مقال فلسفي بأقل ما يمكن من الأخطاء و بأكثر ما يمكن من العمق و الدقة و الوضوح«.
و حتى ننجح في تحقيق الهدف من مثل هذه الحصص كان من الضروري العمل في نظام ورشات ومجموعات يطلب إليها الاشتغال على مهام جزئية تسمى مهارات نحرص على أن تكون متكاملة تهدف إلى إنجاز عمل موحد و متكامل نسميه المقال الفلسفي .
غير أن الاستجابة لمثل هذا المطلب قد لا يتجلى بوضوح كاف في اغلب المؤلفات التي صدرت بعد هذا التاريخ و التي تقدم نفسها على أنها »وثائق منهجية« إذ تنزلق في الاسترسال في تكرار وصايا أو مواقف نظرية جاهزة حول المنهج إن لم تكن أصلا حصيلة مجهود صاحبها الذاتي و الشخصي حيث أننا لا نملك للأسف مرجعا نظريا موحدا نلجأ إليه مع اختلاف هذه التجارب وهو في اعتقادي ما يعقد على التلميذ أمام تنوع هذه الوثائق الموازية الاسترشاد و الاهتداء إلى ما يجب أن يكون في حصة المنهج وما يجب أن يقول أو يكتب في مقال فلسفي.
إلا أني اعتقد أن الوثيقة التي أصدرتها وزارة التربية قد تمثلت بوضوح وحددت الهدف المطلوب من تدريس حصص المنهج وإنها قد تمثلت بوضوح روح الوثيقة الفرنسية التي أصدرتها مؤسسة مانيارد سنة 1994 بمعونة ثلة من أساتذة الفلسفة في فرنسا ووضعت لها عنوان: »الفلسفة ـ الأقسام‭ ‬النهائية‮ ‬ـ‮ ‬جذاذة‭ ‬تمارين‮«.‬‭ ‬
‭(‬Philosophie‭ - ‬terminales‭ : ‬fichier‭ ‬d‭'‬exercices‭ .‬édition‭ :‬MAGNARD‭-‬lycées‭ ‬1994‭ ‬dépôt‭ ‬légal‭: ‬juin‭ ‬1997‭ ‬n‭ .‬éditeur‭ ‬97‭/‬2010‭ .‬
هذه الوثيقة تأخذ شكل كراس تمارين تقسم العمل المنهجي إلى مهارات جزئية تقدم في شكل جذاذات عمل توجه بأسئلة وتضبط بهدف تنقاد الأسئلة إلى تحقيقه في أخر العمل وهو ما يمكن ترجمته إلى ممارسة منهجية تطبيقية في حصص المنهج التي نخصص لها ساعة واحدة من كل أسبوع مع قسم الآداب‭ .‬
لذا‭ ‬عملت‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الوثيقة‭ ‬ترجمة‭ ‬وتصرفا‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬التمارين‭ ‬و‭ ‬باشرت‭ ‬بنفسي‭ ‬تنفيذها‭ ‬و‭ ‬لمست‭ ‬مدى‭ ‬نجاعة‭ ‬ما‭ ‬تقدمه‭.‬
من‭ ‬بين‭ ‬أهم‭ ‬المهارات‭ ‬المنهجية‭ ‬التي‭ ‬ندعى‭ ‬إلى‭ ‬تدريب‭ ‬التلميذ‭ ‬عليها‭ ‬نذكر‭ : ‬
‭* ‬الأشكلة‭ : ‬التدريب‭ ‬على‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬السؤال‭ ‬إلى‭ ‬الإشكال‭.‬

الأشكلة‭ :‬
سأعتمد‭ ‬نموذج‭ ‬للمران‭ ‬المنهجي‭ : ‬التدرب‭ ‬على‭ ‬الأشكلة‭ ‬أو‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬السؤال‭ ‬إلى‭ ‬الإشكال‭ .‬
غالبا‭ ‬ما‭ ‬يتجه‭ ‬جهد‭ ‬التلميذ‭ ‬إن‭ ‬تعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بسؤال‭ ‬إلى‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬جواب‭ ‬يعتقد‭ ‬انه‭ ‬ممكن‭ ‬أو‭ ‬إن‭ ‬السؤال‭ ‬يفضي‭ ‬إليه‭ ‬ضرورة‭ ‬و‭ ‬ينسى‭ ‬أن‭ ‬الأمر‭ ‬يتعلق‭ ‬هنا‭ ‬‮»‬بمشكل‭ ‬فلسفي‮« ‬لا‭ ‬بمجرد‭ ‬سؤال‭ ‬عادي‭ .‬
‭- ‬وهنا‭ ‬نطرح‭ ‬الأسئلة‭ ‬التالية‭ : ‬
‭- ‬هل‭ ‬السؤال‭ ‬في‭ ‬ذاته‭ ‬مشكلا‭ ‬؟
‭- ‬ما‭ ‬الفرق‭ ‬بين‭ ‬السؤال‭ ‬والإشكال‭ ‬؟
‭- ‬وكيف‭ ‬لنا‭ ‬أن‭ ‬نحول‭ ‬السؤال‭ ‬إلى‭ ‬إشكال‭ ‬؟
و‭ ‬حتى‭ ‬نستطيع‭ ‬الجواب‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬الأسئلة،‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬ننجز‭ ‬جملة‭ ‬من‭ ‬العمليات‭ ‬الفكرية،‭ ‬هي‭ ‬بمثابة‭ ‬مسوّدات‭ ‬عمل،‮ ‬تقوم‭ ‬على‭ : ‬
‭* ‬‮ ‬تفكيك‭ ‬معاني‭ ‬الموضوع‭ : ‬لإظهار‭ ‬ما‭ ‬استشكل‭ ‬منها‭ .‬
‭* ‬‮ ‬فهم‭ ‬ما‭ ‬تفترضه‭ ‬صيغة‭ ‬الموضوع‭ :‬من‭ ‬اجل‭ ‬كشف‭ ‬ضمنيات‭ ‬السؤال‭.‬
‭* ‬‮ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الاقتدار‭ ‬على‭ ‬تبيّن‭ ‬أطروحة‭ ‬الموضوع‭ ‬ونقيض‭ ‬الأطروحة‭ .‬
‭* ‬‮ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬ننسى‭ ‬في‭ ‬الأخير‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬تمثل‭ ‬رهان‭ ‬المشكل‮. (‬الخطورة‭ ‬النظرية‭ ‬والعملية‭ ‬التي‭ ‬يفترضها‭ ‬السؤال‮).‬
السؤال‭ ‬المقترح‭ :‬

هل‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬القيم‭ ‬أخلاقية‭ ‬بحق‭ ‬إلا‭ ‬متى‭ ‬كانت‭ ‬مطلقة‭ ‬؟

تفكيك‭ ‬معاني‭ ‬الموضوع‭ :‬
هل‭ ‬لا‭... ‬إلا‭ ...: ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬هو‭ ‬سؤال‭ ‬الشرط‭ ‬ستلزم‭ ‬حدين‭ ‬يشترط‭ ‬الواحد‭ ‬منهما‭ ‬الأخر‭ ‬ضرورة‭ ‬الشرط‭ ‬وجواب‭ ‬الشرط‭ .‬
القيم الأخلاقية : القيم جمع قيمة، وهي ما يكون به الشيء ذا ثمن أو فائدة، يقول المثل العربي: قيمة كل امرئ ما يحسنه.وتشير القيمة إلى الخصلة الحميدة والخلة الشريفة التي تحض الإنسان على الاتصاف بها كحرصه على اقتناء الأشياء ذات القيمة الثمينة والاحتفاظ بها، والقيمة‭ ‬ثمن‭ ‬الشيء‭ ‬الذي‭ ‬يقوم‭ ‬مقامه‭. ‬والشيء‭ ‬القيّم‭ ‬الذي‭ ‬له‭ ‬قيمة‭ ‬عظيمة‭ ‬مبالغة،‭ ‬وأصله‭ ‬قويم‭ ‬على‭ ‬رأي‭ ‬الفراء‭.‬
‭ ‬وهي‭ ‬عند‭ ‬بعض‭ ‬الفلاسفة‭ ‬حكم‭ ‬يصدره‭ ‬الإنسان‭ ‬على‭ ‬الأشياء‭ ‬وينبع‮ ‬‭ ‬منه‭ ‬الاعتراض‭ ‬والاحتجاج‭ ‬على‭ ‬الوجود‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬قائم‭ ‬ومفروض‭ ‬لتحويل‭ ‬هذا‭ ‬الوجود‭ ‬وفق‭ ‬ما‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يكون‭.‬
‭ ‬تبعًا‭ ‬لهذا‭ ‬الأصل‭ ‬اللغوي‭ ‬فإن‭ ‬القيم‭ ‬هي‭ ‬تلك‭ ‬المبادئ‭ ‬الخلقية‭ ‬التي‭ ‬تمتدح‭ ‬وتستحسن‭ ‬وتذم‭ ‬مخالفتها‭ ‬وتستهجن،‭ ‬وباختصار‭ ‬فهي‭ ‬تلك‭ ‬السجايا‭ ‬الكامنة‭ ‬في‭ ‬النفس،‭ ‬وهي‭ ‬أيضًا‭ ‬المظهر‭ ‬الخارجي‭ ‬لتلك‭ ‬السجايا‭. ‬
الأخلاق : جمع خلق وتعني في الاشتقاق اللغوي حسب »جميل صاليبا« العادة والسجية والطبع والمروءة والدين وعند القدماء ملكة تصدر بها الأفعال عن النفس من غير تقدم روية وفكر وتكلف .فغير الراسخ من صفات النفس لا يكون خلقا كغضب الحكيم وكذلك الراسخ الذي تصدر عنه الافعال‭ ‬بعسر‭ ‬وتامل‭ ‬كالبخيل‭ ‬اذا‭ ‬حاول‭ ‬الكرم‭ ‬ويطلق‭ ‬لفظ‭ ‬الاخلاق‭ ‬على‭ ‬جميع‭ ‬الافعال‭ ‬الصادرة‭ ‬عن‭ ‬النفس‭ ‬محمودة‭ ‬كانت‭ ‬او‭ ‬مذمومة؟‮.‬‭ ‬من‭ ‬معجم‭ ‬صاليبا‭ ‬ج‭ ‬1‭ ‬ص‭ ‬49‭ ‬‮.‬
و الخلق يدل على الصفات الطبيعية في خلقة الإنسان الفطرية على هيئة مستقيمة متناسقة . تدل الأخلاق أيضاً على الصفات التي اكتسبت وأصبحت كأنها خلقت مع طبيعته . اصطلاحاً : عرفه ابن مسكويه بأنه : (حال للنفس داعية لها إلى أفعالها من غير فكر ولا روية ، وهذه الحال تنقسم إلى قسمين منها ما يكون طبعياً من أصل المزاج ، كالإنسان الذي يحركه أدنى شيء نحو غضب ، ويهيج من أقل سبب ... ومنها ما يكون مستفاداً بالعادة والتدريب ، وربما كان مبدؤه بالروية والفكر ثم يستمر عليه أولاً فأولاً حتى يصير ملكة وخلقاً).
‭ ‬ويعرفها‭ ‬لالاند‭ ‬في‭ ‬معجمه‭ ‬‮»‬الاخلاق‭ ‬هي‭ ‬مجموع‭ ‬قواعد‭ ‬السلوك‭ ‬مأخوذة‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬هي‭ ‬غير‭ ‬مشروطة‭ ‬‮«‬Ensemble‭ ‬des‭ ‬règles‭ ‬de‭ ‬conduite‭ ‬tenues‭ ‬pour‭ ‬inconditionnellement‭ ‬valablesب‭ ‬‮«‬LALANDE‭ . ‬p655‭.‬
الحقة‭ : ‬أو‭ ‬الحقيقية‭ ‬ما‭ ‬يتطابق‭ ‬مع‭ ‬جوهر‭ ‬الشيء‭ ‬وماهيته‭ ‬وحقيقة‭ ‬القيم‭ ‬الخلقية‭ ‬هنا‭ ‬كما‭ ‬يعلنها‭ ‬نص‭ ‬الموضوع‭ ‬في‭ ‬بلوغ‭ ‬المطلق‭ ‬او‭ ‬تطابق‭ ‬القيم‭ ‬مع‭ ‬المطلق‭ .‬
المطلق: »المُطلَق« في المعجم الفلسفي (هو عكس النسبي) ويعني »التام« أو »الكامل« المتعري عن كل قيد أو حصر أو استثناء أو شرط، والخالص من كل تعيُّن أو تحديد، الموجود في ذاته وبذاته، واجب الوجود المتجاوز للزمان والمكان حتى إن تجلى فيهما .»المُطلَق« في المعجم الفلسفي (هو عكس النسبي) ويعني »التام« أو »الكامل« المتعري عن كل قيد أو حصر أو استثناء أو شرط، والخالص من كل تعيُّن أو تحديد، الموجود في ذاته وبذاته، واجب الوجود المتجاوز للزمان والمكان حتى إن تجلى فيهما.
‭ ‬والمطلق‭ ‬يعرفه‭ ‬لالاند‭ ‬بأنه‮: »‬ما‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬لغير‭ ‬ذاته‭ ‬يتقوم‭ ‬به‮«‬‭ ‬
‭ ‬ce‭ ‬qui‭ ‬dans‭ ‬la‭ ‬pensée‭ ‬comme‭ ‬dans‭ ‬la‭ ‬réalité‭ ‬ne‭ ‬dépend‭ ‬‮«‬
‭ ‬d‭'‬aucune‭ ‬autre‭ ‬chose‭ ‬et‭ ‬porte‭ ‬en‭ ‬soi‭-‬même‭ ‬sa‭ ‬raison‭ ‬d‭'‬êtreب
LALANDE‭ .‬p‭ ‬5‭ : ‬
والمطلق عادةً يتسم بالثبات والعالمية، فهو لا يرتبط بأرض معيَّنة ولا بشعب معيَّن ولا بظروف أو ملابسات معيَّنة. والمُطلَق مرادف للقَبْليّ، والحقائق المطلقة هي الحقائق القَبْلية التي لا يستمدها العقل من الإحساس والتجربة بل يستمدها من المبدأ الأول وهو أساسها النهائي. ويمكن وصف الإله الواحد المتجاوز بأنه »المُطلَق«، ويشـار إليه أحياناً بأنه »المدلول المتجـاوز«، أي أنه المدلول الذي لا يمكن أن يُنسَـب لغيره فهو يتجاوز كل شـيء. وقد عرَّف هيجل المُطلَق بأنه »الروح« (بالألمانية: جايست Geist ويُقال »روح العصر« أي جوهر العصر ومطلقه) و»روح الأمة« (جوهرها ومطلقها). وتَحقُّق المطلق في التاريخ هو اتحاد الأضداد والانسجام بينها، والحقيقة المطلقة هي النقطة التي تتلاقى عندها كل الأضداد وفروع المعرفة جميعاً من علم ودين، وهي النقطة التي يتداخل فيها المقدَّس والزمني فهي وحدة وجود‭ ‬كاملة‭. ‬
والمطلق في الأخـلاق يعني أن معايير القيم - أخلاقيةً كانـت أم جماليةً - مطلقةٌ موضوعيةٌ خالدةٌ متجاوزةٌ للزمان والمكان، ومن ثم يمكن إصدار أحكام أخلاقية. أما في السياسة، فهي تعني سيادة الحاكم أو الدولة بغير قيد ولا شرط. والدولة المطلقة هي الدولة التي لا تُنسب‭ ‬أحكامها‭ ‬إلى‭ ‬غيرها‭ ‬فمصلحتها‭ ‬مطلقة‭ ‬وإرادتها‭ ‬مطلقة‭ ‬وسيادتها‭ ‬مطلقة‭.‬

‭***‬
فهم‭ ‬أول‭ ‬للموضوع‭ :‬
ما‭ ‬الذي‭ ‬يفترضه‭ ‬الموضوع‭ ‬؟
النظر‭ ‬في‭ ‬شروط‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الأخلاق‭ ‬الحقة‭ ‬والمطلق‭ .‬
وهذا‭ ‬يستلزم‭ : ‬
ـ‮ ‬‭ ‬أن‭ ‬نقف‭ ‬عند‭ ‬معنى‭ ‬القيم‭ ‬الأخلاقية‭ ‬ومعنى‭ ‬حقيقتها‭ .‬
‭ - ‬أن‭ ‬نقف‭ ‬عند‭ ‬معنى‭ ‬المطلق‭ .‬
‭ - ‬أن‭ ‬نفهم‭ ‬علاقة‭ ‬القيم‭ ‬‮(‬الحقيقية‮) ‬بالمطلق‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬علاقة‭ ‬شرطية‭ . ‬
فهم‭ ‬ثان‭ ‬للموضوع‭ :‬
ما‭ ‬دواعي‭ ‬طرح‭ ‬المشكل‭ ‬؟
يذهب الفلاسفة في تناول المسالة الخلقية إلى التأسيس للمسالة لا الدعوة لها والتأسيس يستلزم اتخاذ موقف نقدي من الممارسة الخلقية السائدة .ويعتقد كل فيلسوف يريد التأسيس للأخلاق إلى معانقة المطلق في نظره للقيم الخلقية سواء أكان هذا المطلق عقلي كما يتصوره كانط أو‭ ‬فطري‭ ‬كما‭ ‬تصوره‭ ‬روسو‭ ‬أو‭ ‬ذاتي‭ ‬كما‭ ‬تصوره‭ ‬برغسون‭ ‬أو‭ ‬فردي‭ ‬كما‭ ‬تصوره‭ ‬نيتشه‭ ...‬وعليه‭ ‬فإن‭ ‬أي‭ ‬محاولة‭ ‬نظرية‭ ‬للأخلاق‭ ‬هي‭ ‬محاولة‭ ‬نحو‭ ‬تصور‭ ‬المطلق‭ ‬في‭ ‬القيم‭ ‬مهما‭ ‬كان‭ ‬الأساس‭ ‬الذي‭ ‬نتصوره‭ ‬لهذا‭ ‬المطلق‭ .‬
ملاحظة‭ :‬ضرورة‭ ‬الانتباه‭ ‬هنا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬فكرة‭ ‬المطلق‭ ‬تقودنا‭ ‬إلى‭ ‬الغايات‭ ‬إلى‭ ‬الميتافيزيقا‭ ‬إلى‭ ‬البحث‭ ‬في‭ ‬الأسباب‭ ‬الأولى‭ ‬حسب‭ ‬التعريف‭ ‬الأرسطي‭ ‬للفلسفة‭ ‬الأولى‮ (‬الميتافيزيقا‮) »‬العلم‭ ‬بالمبادئ‭ ‬والأسباب‭ ‬الأولى‮«.‬‭ ‬
‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬فإن‭ ‬البحث‭ ‬في‭ ‬شروط‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬القيم‭ ‬والمطلق‭ ‬هو‭ ‬مبحث‭ ‬في‭ ‬وجاهة‭ ‬التشريع‭ ‬لفكرة‭ ‬التأسيس‭ ‬الغائي‭ ‬أو‭ ‬البحث‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬القيم‭ ‬الأخلاقية‭ ‬قيما‭ ‬أبدية‭ ‬دائمة‭ ‬يشرع‭ ‬لها‭ ‬فلسفيا‭ .‬

‭***‬
فهم‭ ‬ثالث‭ ‬للموضوع‭ :‬
وفيه‭ ‬نستثمر‭ ‬ما‭ ‬توصلنا‭ ‬إليه‭ ‬في‭ ‬القراءتين‭ ‬السابقتين‭ ‬لنستخلص‭ ‬مشكل‭ ‬الموضوع‭ ‬فما‭ ‬هو‭ ‬مشكل‭ ‬الموضوع‭ ‬إذن‭ ‬على‭ ‬ضوء‭ ‬ما‭ ‬تقدم‭ ‬من‭ ‬فهمنا‭ ‬للموضوع‭ ‬؟
يستلزم‭ ‬طرح‭ ‬المشكل‭ ‬عناصر‭ ‬قارة‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬منها‭ ‬ليكون‭ ‬سؤال‭ ‬الموضوع‭ ‬حجاجيا‭ :‬

‭- ‬نسأل‭ ‬عن‭ ‬نواة‭ ‬الإشكال‭ .‬
‭- ‬نسأل‭ ‬عن‭ ‬الأطروحة‭ ‬ونقيض‭ ‬الأطروحة‭ .‬
‭- ‬ننسّب‭ ‬الأطروحة‭ .‬
‭- ‬نسأل‭ ‬عن‭ ‬رهان‭ ‬المشكل‭ .‬

‭ ‬أ‭ / ‬السؤال‭ ‬عن‭ ‬نواة‭ ‬المشكل‭ :‬

نواة المشكل هنا السؤال عن القيم من جهة وضعيتها أي من جهة كونها قيما وضعية يرغب الإنسان بتأسيسها .عبارة »تكون« هنا تحيل على معنى الرغبة في التأسيس لا على القيم من جهة كونها كائنة فعلا . (القيم التي نؤسسها لا تلك التي ندعو لها ).

لذا‭ ‬سيكون‭ ‬سؤالنا‭ ‬هنا‭ : ‬

‭ ‬ما‭ ‬القيم‭ ‬التي‭ ‬نرغب‭ ‬بتأسيسها‭ ‬؟

ب‭/ ‬السؤال‭ ‬عن‭ ‬الأطروحة‭ ‬ونقيض‭ ‬الأطروحة‭: ‬
‭ ‬ويتمثل‭ ‬هنا‭ ‬في‭ ‬رصد‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬تأسيس‭ ‬قيم‭ ‬حقيقية‭ ‬وبين‭ ‬توقها‭ ‬للمطلق‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬تمثل‭ ‬الشروط‭ ‬الضرورية‭ ‬للعلاقة‭ ‬؟‭ ‬

لذا‭ ‬سيكون‭ ‬سؤالنا‭ ‬هنا‭ :‬

وكيف‭ ‬تكون‭ ‬هذه‭ ‬القيم‭ ‬قيما‭ ‬بحق‭: ‬هل‭ ‬متى‭ ‬كانت‭ ‬مطلقة‭ ‬أم‭ ‬نسبية‭ ‬؟‭ ‬

ج‭/ ‬السؤال‭ ‬عن‭ ‬تنسيب‭ ‬الأطروحة‭ :‬

ويتمثل‭ ‬بإبراز‭ ‬أن‭ ‬الموقف‭ ‬الذي‭ ‬نتخذه‭ ‬من‭ ‬المسألة‭ ‬يظل‭ ‬موقفا‭ ‬نسبيا‭ ‬قابلا‭ ‬للمراجعة‭ .‬
‭ ‬ويكون‭ ‬السؤال‭ ‬هنا‭ :‬
وإذا‭ ‬سلمنا‭ ‬بأن‭ ‬هذه‭ ‬القيم‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬إلا‭ ‬مطلقة‭ ‬فهل‭ ‬لا‭ ‬تتحول‭ ‬هذه‭ ‬القيم‭ ‬بذلك‭ ‬إلى‭ ‬قيم‭ ‬ملزمة‭ ‬للإرادة‭ ‬؟‭ ‬

د‭/ ‬السؤال‭ ‬عن‭ ‬الرهان‭: ‬
ويتمثل في استشراف غاية أو مقصد نظري أو عملي يراهن عليه الموضوع. (لأن الرّهان كما قلنا هو تمثل الخطورة النظرية أو العملية من طرح المشكل فهو ليس نتيجة بل غاية أو مقصد أبعد لحل المشكل ).
ويكون‭ ‬سؤالنا‭ ‬هنا‭ :‬
أليست‭ ‬القيم‭- ‬بما‭ ‬هي‭ ‬قواعد‭ ‬سلوك‭ ‬غير‭ ‬مشروطة‭ - ‬تستهدف‭ ‬الإنساني‭ ‬في‭ ‬ذاته‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬إجلاء‭ ‬للكوني؟‭ ‬

وعندها‭ ‬فإن‭ :‬

‭ ‬طرح‭ ‬الإشكالية‭ ‬يكون‭ ‬بالشكل‭ ‬التالي‭ :‬
‭ ‬ـ‮ ‬ما‭ ‬القيم‭ ‬التي‭ ‬نرغب‭ ‬بتأسيسها‭ ‬؟‭ ‬
‭ ‬ـ‮ ‬وكيف‭ ‬تكون‭ ‬هذه‭ ‬القيم‭ ‬قيما‭ ‬بحق‭: ‬هل‭ ‬متى‭ ‬كانت‭ ‬مطلقة‭ ‬أم‭ ‬نسبية‭ ‬؟‭ ‬
ـ‮ ‬‭ ‬وإذا‭ ‬سلمنا‭ ‬بأن‭ ‬هذه‭ ‬القيم‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬إلا‭ ‬مطلقة‭ ‬فهل‭ ‬لا‭ ‬تتحول‭ ‬هذه‭ ‬القيم‭ ‬بذلك‭ ‬إلى‭ ‬قيم‭ ‬ملزمة‭ ‬للإرادة‭ ‬؟‭ ‬
ـ‮ ‬‭ ‬أليست‭ ‬القيم‭- ‬بما‭ ‬هي‭ ‬قواعد‭ ‬سلوك‭ ‬غير‭ ‬مشروطة‭ - ‬تستهدف‭ ‬الإنساني‭ ‬في‭ ‬ذاته‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬إجلاء‭ ‬للكوني؟‭ ‬

مع‮ ‬تحيّآت
الأستاذ‭ ‬الهادي‭ ‬عبد‭ ‬الحفيظ
أستاذ‭ ‬أول‭ ‬للفلسفة‭ ‬
بمعهد‭ ‬الامتياز‭ ‬بدوز‭ ‬





‭ ‬
‭ ‬راهنية‭ ‬مطلب‭ ‬الكلّي‭ ‬في‭ ‬الحضارة‭ ‬المعاصرة
او‭ ‬الكلّي‭ ‬كمطلب‭ ‬ميتافيزيقي‭ ‬إلى‭ ‬الكلّي‭ ‬كموضوع‭ ‬تأويل‭ ‬‮»‬ايديولوجي‮«‬‭ ‬في‭ ‬اللحظة‭ ‬التاريخية‭ ‬الراهنة

‮❊ ‬إعداد‭ : ‬علي‭ ‬زروق‭ ‬أستاذ‭ ‬مكوّن‭ ‬منوبة‭ ‬

إذا ما ترسمنا البحث في الجذور التكونية لمطلب الكلي الفلسفي بين الكثرة والوحدة فإن جذوره التاريخية تعود إلى اللحظة الإغريقية بما تميزت به من جدل فكري وحضاري حول المسائل الفلسفية والإنسانية الكبرى والقصوى غير أن تجديد الحاجة إليه اليوم أكثر من أي وقت مضى يطرح‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬سؤال‭ ‬واستفهام‭ ‬يعكس‭ ‬حيرة‭ ‬الإنسان‭ ‬الفكرية‭ ‬والوجودية‭ ‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬الكوني‭ ‬والشمولي‭ .‬
ها‭ ‬هنا‭ ‬تحديدا‭ ‬يبدو‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬اعتبار‭ ‬المسافة‭ ‬الفاصلة‭ ‬لتجليات‭ ‬مطلب‭ ‬الكلي‭ ‬بين‭ ‬الماضي‭ ‬والحاضر‭ ‬الراهن‭ .‬
فإذا كان الكلي الفلسفي قد تشكل ماضيا بانصراف الجدل الفكري-التأسيسي إلى فهم التناقضات التي مرت بها المدينة الإغريقية وهي التي مثلت المهد الذي شهد ميلاد التصور الفلسفي للكلي تحديدا في ظل مسارات الصراع بين الفلاسفة ومناوئيهم من السفسطائيين والسياسيين واللغويين،‭ ‬فإنه‭ ‬ما‭ ‬تجدر‭ ‬ملاحظته‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الصراع‭ ‬قد‭ ‬تمخض‭ ‬على‭ ‬انتصار‭ ‬وحدة‭ ‬الكلي‭-‬المنطقي‭-‬العقلاني‭ ‬في‭ ‬تصوره‭ ‬لماهية‭ ‬الحقيقة‭ ‬والغايات‭ ‬من‭ ‬وجود‭ ‬البشر‭ ‬في‭ ‬المدينة‭.‬
غير‭ ‬أن‭ ‬تسعير‭ ‬كلفة‭ ‬انتصار‭ ‬خطاب‭ ‬العقل‭ ‬الكلي‭ ‬يتجلي‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬انتفاء‭ ‬خطاب‭ ‬الجزئي‭ ‬الحسي‭ ‬وسيلان‭ ‬الصيرورة‭ ‬والكثرة‭ ‬والاختلاف‭ ‬كما‭ ‬تحددت‭ ‬في‭ ‬خطاب‭ ‬السفسطائيين‭ ‬والشعراء‭ ‬والمسرحيين‭ ‬والسياسيين‭.‬
وعليه، تبدو الحاجة إلى رسم مسافة نوعية بين المنعطفات التي مرت بها المدينة الإغريقية في حوارها مع الكلي وتجدد هذا الحوار في المدينة المعاصرة مسألة ضرورية وحاسمة لرصد الاختلافات النوعية نتيجة للتراكمات الفكرية-الرمزية والتحولات التاريخية لعصر الحداثة وما بعدها‭ ‬وصولا‭ ‬إلى‭ ‬اللحظة‭ ‬التي‭ ‬انبثقت‭ ‬فيها‭ ‬فلسفة‭ ‬الاختلاف‭ ‬وفلسفات‭ ‬اللامعقول‭.‬
لكن على الرغم من ذلك يبقى مطلب الكلي محايثا وملازما لترحال الفكر والحضارة الكونيين عبر الديمومة الوجودية والصيرورة التي مرت مختلف الحضارات باختلاف رؤاها للوجود وللعالم وهذا بالتحديد ما أكد عليه الفيلسوف الألماني »جورج وليام هيڤل« في فلسفته الجدلية والتاريخية‭. ‬
لقد وضع هيڤل على عاتق فلسفته ربط الصلة الواعية بين التصور الإغريقي للكلي في علاقة برؤى الأمم والحضارات الشرقية للعالم والوعي الحديث في علاقته بمستجدات الحداثة في الثقافة الأوروبية كما تشكلت منذ عصر النهضة.
وعليه، يمكن الإقرار بأن تباعد المسافة بين اللحظة الإغريقية وما سبقها واللحظة التاريخية الراهنة في حوارهما مع الكلي الفلسفي والإنساني، لا يستبعد التشابه المثير للحيرة بشأن فهم العلاقة بين التعينات الجزئية للكلي عبر لحظات التاريخ المؤقتة والنسبية والتصورات الشمولية-الكونية الثابتة لتأويل رؤية الإنسان لذاته ولغيره وللوجود. ولتوضيح ذلك وتنزيله في الواقع الموضوعي يمكن التأكيد بأن هناك خصيصة اتسم بها ترحال الكلي الفلسفي بين الكثرة والوحدة ضمن مسارات تشكل رؤية الإغريق للفكر والحياة والمدينة وللكون. هذه الخاصية تبرز في الحقيقة الموضوعية التالية: وهي أن التصور الإغريقي للحقيقة الشاملة والكلية التي تتضمن كل تصورات الإنسان للفكر والوجود قد تأسست على أنقاض الخطاب الفكري للسفسطائيين والشعراء والسياسيين وهم الذين تميزوا بالحيطة والحذر من كل خطاب فلسفي تأسيسي للحقيقة الكلية‭. ‬
لقد انتصر السفسطائيين للكثرة ضد الوحدة والثبات وللجزئي-الحسي والظرفي ضد قواعد المنطق العقلاني بحدودها الثابتة والكونية كما انتصروا أيضا للعرضي ضد الجوهري وللنسبوية في الحكم والرأي ضد الحقيقة المطلقة المتعالية عن الحركة والصيرورة.
وفي الحقيقة لقد انتصر هؤلاء لجدل الحركة والتناقض والصراع لأجل تبرير التنافس من أجل الرغبة والمصلحة والمنفعة والنجاعة السلطوية في سياق فهم وتسيير علاقات القوى داخل المدينة ولهذا السبب ناهضوا بكل قوة كل أولئك الفلاسفة اللذين أسسوا منطقيا ونسقيا لوحدة الحقيقة‭ ‬ولوحدة‭ ‬العقل‭ ‬ولوحدة‭ ‬المدينة‭ ‬انتصارا‭ ‬للحكمة‭ ‬والفضيلة‭ ‬والنظام‭.‬
ضمن‭ ‬هذا‭ ‬المنظور‭ ‬طفق‭ ‬السفسطائيون‭ ‬يعملون‭ ‬جاهدين‭ ‬على‭ ‬‮»‬التشكيك‭ ‬الريبي‮« ‬‭ ‬في‭ ‬نسق‭ ‬المفاهيم‭ ‬الكلية‭ ‬والكونية‭ ‬التي‭ ‬وضع‭ ‬الفلاسفة‭ ‬المؤسسون‭ ‬لها‭ ‬منازل‭ ‬في‭ ‬نظام‭ ‬المعرفة‭ ‬وفي‭ ‬نظام‭ ‬الوجود‭ ‬والقيم‭.‬
ومن ثمة،واستنادا إلى ماضي المدينة الإغريقية يظهر أن اللحظة الحضارية الراهنة تعيش هي الأخرى على وقع ظهور السفسطائيين الجدد وبالتالي فهي تجدد الحاجة إلى أعداء الكلي الفلسفي. هؤلاء الأعداء الجدد يسعون إلى تحطيم الكلي في وحدته وثباته وشموليته الفكرية والحضارية‭ ‬والإنسانية‭ ‬باعتباره‭ ‬أقنوما‭ ‬أو‭ ‬‮»‬وثنا‮« ‬ورثته‭ ‬الأجيال‭ ‬الراهنة‭ ‬عن‭ ‬الآباء‭ ‬المؤسسين‭ ‬أي‭ ‬الفلاسفة‭ ‬الميتافيزيقيين‭.‬
ومن الملاحظ أن مصير الكلي الفلسفي بحسب »ايديولوجيا المفكرين التقنيين« أي السياسيون، العلماء، المهندسون، الإعلاميون، المؤرخون. لم تعد حضارة اليوم بحاجة إلى الكلي الفلسفي بحسب المعنى الذي ترصده الآباء المؤسسون أو المحدثون المجددون لا جرم إذن من الإقرار بأن ثمة ما يبرر مساءلة توجهات الحضارة الراهنة التي تعيش من ناحية أزمة العدمية (La crise du nihilisme) و تبرر من ناحية أخرى مناصبة الكلي الفلسفي والإنساني العداء الدفين إذ ترى فيه انعكاسا لترسبات الفلسفات المثالية والطوباوية. تلك الفلسفات التي وحدت في المدينة‭ ‬الإغريقية‭ ‬تربة‭ ‬خصبة‭ ‬لتزهر‭ ‬في‭ ‬عموما‭ ‬وفي‭ ‬النسق‭ ‬الأفلاطوني‭ ‬تحديدا‭ ‬هذا‭ ‬النسق‭ ‬الذي‭ ‬حدد‭ ‬مصير‭ ‬التفكير‭ ‬اللاحق‭ ‬في‭ ‬الكلي‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬اليوم‭.‬
تعيش‭ ‬الحضارة‭ ‬اليوم‭ ‬على‭ ‬وتيرة‭ ‬جد‭ ‬متسارعة‭ ‬وخطيرة‭ ‬من‭ ‬التحولات‭ ‬الهيكلية‭ ‬والشمولية‭ ‬في‭ ‬السجلات‭ ‬العلمية‭- ‬التقنية‭-‬الاقتصادية‭-‬السياسية‭-‬العسكرية‭-‬الإعلامية‭ ‬والاتصالية‭.‬
هذه‭ ‬التحولات‭ ‬تمثل‭ ‬ولا‭ ‬شك‭ ‬مكمن‭ ‬التأثير‭ ‬على‭ ‬‮»‬الانتبجنسيا‮« ‬أو‮ ‬‭ ‬‮»‬النخب‭ ‬المفكرة‭ ‬والمسيرة‮« ‬للاستراتيجيات‭ ‬الحضارية‭ ‬الراهنة‭.‬
غير أن المواقف بشأن تحديد موقع الكلي الفلسفي والإنساني في المعيش اليومي للأفراد والتجمعات البشرية تتباين إلى حد التناقض »فالمثقف الخصوصي« حسب »ميشال فوكو« ينذر جهده لفهم الأسباب الأركيولوجية لأفول الحاجة إلى الكلي-الميتافيزيقي بقيمه وطموحاته المعرفية والوجودية في المقابل يسعى »المثقف التقني« لركوب قطار الدعاية ضد الكلي الفلسفي ومواجهته بالرفض العدمي أو اللامبالاة السلبية (L'indifferance negative ou nihiliste) للكشف عن المستندات البشرية أو الخفية لهذا التوجه في التأويل يمكن المبادرة لمساءلة تعبيرات الواقع‭ ‬الموضوعي‭ ‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬العالمي‭ ‬لتشخيص‭ ‬تباين‭ ‬المواقف‭ ‬الفكرية‭ ‬حول‭ ‬منزلة‭ ‬الكلي‭ ‬الفلسفي‭ ‬في‭ ‬الحضارة‭ ‬الراهنة‭. ‬
ضمن هذا المنظور يمثل استقراء الواقع الموضوعي لاختلاف رؤى العالم بين الأمم والشعوب الفاعلة على الصعيد الكوني منطلقا مكينا لملاحظة سمة التقابل بين الأمم على الصعيدين الفكري-الايديولوجي والحضاري. فالأمم التي استأثرت منذ انبجاس الحداثة مظاهر القوة الحضارية تسعى جهدها لتدعيم رموز مناعتها العلمية والاقتصادية والسياسية والعسكرية أما الأمم المتخلفة عن هذا الركب فهي ما تزال تعيش على أمنيات تطمح لبناء عالم أفضل يكون مسكنا للجميع تحقق فيه كل الشعوب آمالها من خلال التمسك بالكلي الفلسفي وقيمه الإنسانية الكونية.
ولهذا السبب تمارس الأمم القوية السخرية السلبية والتهكم الريبي إزاء كل خطاب فكري مهما كانت درجة معقوليته من شأنه أن يطمح إلى استعادة المثل الفلسفية الطوباوية-القديمة أو مثل النزعة الرومانسية الحديثة.
إن الوقوف على دلالات هذه الوضعية التاريخية من شأنه أن يدفع الموقف الفلسفي إلى توليد الأسئلة الإحراجية والتأويلية سعيا لأدراك الأسباب العميقة لانطفاء مطلب الكلي الفلسفي والإنساني لدى الأمم التي تحتكر رموز السيادة واستراتيجيات القوة على الصعيد العالمي اليوم‭.‬
يمثل انطفاء مطلب الكلي لدى الأمة الأمريكية مناورة ايديولوجية وانقلابا على المبادئ الأولية للثورة الاجتماعية السياسية التي عاشتها في القرن الثامن عشر إذ أن الآباء المؤسسين »جورج واشنطن« »بنيامين فرانكلين« كانا من أنصار النزعة الإنسانية المحايثة لفلسفة عصر التنوير‭ ‬وقيمها‭ ‬الوجودية‭ ‬الكونية‭. ‬
وإذا كنا نعاين راهنا انطفاء مطلب الكلي »لدى الأمة الأمريكية« والاستعاضة عنه بالدعاية للعولمة(La mondialisation) فذلك لأن هذه العولمة ترتبط عضويا وتاريخيا بالاستراتيجيات الاقتصادية والسياسية والعسكرية والإعلامية.
قد‭ ‬يكون‭ ‬من‭ ‬الوجاهة‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬إجرائيا‭ ‬ومنهجيا‭ ‬تأويل‭ ‬مسارات‭ ‬هذه‭ ‬الوضعية‭ ‬وفقا‭ ‬لإحداثيات‭ ‬التصور‭ ‬الهيقلي‭ ‬لعلاقة‭ ‬الكلي‭ ‬الفلسفي‭ ‬بالتاريخ‭. ‬
وعندئذ يصبح من الضروري استدعاء جدلية »السيادة والعبودية« باعتبارها كليا يساعد الموقف الفلسفي الراهن على تأويل وضعية التناقض الفعلي بين »إيديولوجيا الأسياد« و »إيديولوجيا العبيد« في سياق سيرورة فهم مسرح العلاقات المتعينة موضوعيا بين الأمم والشعوب اليوم. فإذا كانت »إيديولوجيا الأسياد« تسعى بشكل منهجي واستراتيجي لفرض واقع الهيمنة الإمبراطورية على الأمم المستعبدة، فإن هؤلاء الأسياد يتخذون من البنى الإيديولوجية والمؤسسات الحضارية مطية لتكريس واقع التناقض بين الكلي-والجزئي أي بين الحرية والعبودية سواء بواسطة القوة‭ ‬المادية‭ ‬أو‭ ‬الإيديولوجية‭.‬
لا‭ ‬يسعنا‭ ‬ها‭ ‬هنا‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬الوضع‭ ‬المفارقي‭ ‬لهذا‭ ‬التناقض‭ ‬الموضوعي‭ ‬فإذا‭ ‬كانت‭ ‬الحداثة‭ ‬قد‭ ‬حملت‭ ‬في‭ ‬طياتها‭ ‬عوامل‭ ‬التحرر‭ ‬من‭ ‬العبودية‭ ‬عبر‭ ‬الانخراط‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬الثورات‭ ‬الفكرية‭ ‬والثورات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬السياسية‭.‬
في‭ ‬المقابل‭ ‬أنتجت‭ ‬الحداثة‭ ‬وما‭ ‬بعدها‭ ‬شكلا‭ ‬جديدا‭ ‬من‭ ‬الاستعباد‭ ‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬الأممي‭ ‬لعل‭ ‬أهم‭ ‬مظاهره‭ ‬تتموضع‭ ‬في‭ ‬معاناة‭ ‬‮»‬الاستعمار‮«‬‭ ‬والتبعية‭ ‬والخضوع‭ ‬والوصايا‭.‬
وعندئذ‭ ‬يصبح‭ ‬الكلي‭ ‬الفلسفي‭ ‬والإنساني‭ ‬التنويري‭ ‬ملجأ‭ ‬للأمم‭ ‬المستعبدة‭ ‬للتعبير‭ ‬عن‭ ‬الوعي‭ ‬الشقي‭ ‬بواقعها‭ ‬وتوليد‭ ‬استراتيجية‭ ‬‮»‬المقاومة‮«‬‭ ‬للتحرر‭ ‬من‭ ‬اغتراب‭ ‬الانفصال‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬الموضوعي‭ ‬عن‭ ‬السيادة‭ ‬والحرية‭.‬
ولـهـذا‭ ‬السبب‭ ‬بالذات‭ ‬يقول‭ ‬هيقل‭ ‬في‭ ‬تشخيصه‭ ‬لواقع‭ ‬الاغتراب‮ ‬‭(‬Les‭ ‬fleurs‭ ‬de‭ ‬la‭ ‬liberte‭ ‬sont‭ ‬devenus‭ ‬noirs‭)‬‮ »‬لقد‭ ‬أصبحت‭ ‬زهور‭ ‬الحرية‭ ‬سوداء‮«‬‭.‬
ومن ثمة يمكن التساؤل بشأن وظيفة الكلي الفلسفي في التاريخ الراهن:هل يمكن للكلي الفلسفي بإنتظاراته وتشريعاته وتصوراته الكونية أي يعيد لزهور الحرية الإنسانية نظارتها وألقها بعد ذيولها وانطفاء بريقها في واقع العلاقات الموضوعية بين الأمم والشعوب الفاعلة في مسرح‭ ‬الحضارة‭ ‬العالمية‭ ‬اليوم؟
في الضفة المقابلة للتأويل الهيقلي لمسألة الكلي في مسار الحداثة التنويرية يقف التأويل الجينيالوجي على مسافة جد بعيدة من المواضعات التي اعتمدها هيقل وكل الفلسفات المثالية التي أسست »للكلي المنطقي والعقلاني« على أنقاض تغييب الجزئي-الحسي والكثرة والاختلاف في تمثل الرؤى الشمولية للفكر وللحياة وللقيم التي حددت الروابط والعلاقات البشرية على الصعيدين الأخلاقي والوجودي والحضاري للوقوف على طرافة التأويل الجينيالوجي للجذور النيتشوية للكلي الفلسفي-الميتافيزيقي وتحطيم أسسه المنطقية ونماذجه المعرفية والأخلاقية . يلجأ نيتشه في كتابه »جينيالوجيا الأخلاق« إلى الاستدلال بالمماثلة (Le raisonnement par analogie) لتوضيح أصالة أطروحته حول عدمية الكلي الميتافيزيقي والأخلاقي كما يتجسد عبر تعاقب الأجيال في الثقافة الأوروبية. وفي هذا الصدد يمكن تنزيل هذا النص ضمن هذا المنظور،‭ ‬كيف‭ ‬أتى‭ ‬إلى‭ ‬الوجود‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬الجهاز‭ ‬الذي‭ ‬نسميه‭ ‬‮»‬الضمير‭ ‬المتعب‮«‬‭ ‬‮ ‬من‭ ‬هنا‭ ‬نعود‭ ‬إلى‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬أرخوا‭ ‬لأصل‭ ‬الأخلاق‭ ‬وفصلها‭...‬
فهل‭ ‬خطر‭ ‬في‭ ‬بال‭ ‬مؤرخي‭ ‬الأخلاق‭ ‬هؤلاء‭ ‬مجرد‭ ‬خاطر‭ ‬بل‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬أحلامهم‭. ‬‮ ‬إن‭ ‬المفهوم‭ ‬الأساسي‮ »‬الذنب‮«‬‭ ‬مثلا‭ ‬يستمد‭ ‬أصله‭ ‬من‭ ‬فكرة‭ ‬‮»‬الين‮«‬‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬فكرة‭ ‬مادية‭ ‬للغاية؟
عندما نتخيل هذه العلاقات التعاقدية تنتابنا على ما توحي به الملاحظات السابقة شكوك وتوجسات من كل نوع تجاه تلك البشرية البدائية التي تصورت هذه العلاقات أو تساهلت معها ،تجاهها. فالوعد يقطع على هذا النحو وقضية تكوين ذاكرة للذي يعد إنما تتم على هذا النحو أيضا.
كذلك يمكن أن تجول في خواطرنا أن القسوة والفظاظة والعنف تنطلق على سجيتها عن هذه الطريقة أيضا فالمستدين حتى يسبغ طابعا من الثقة على وعده بتسديد الدين لكي يقدم ضمانة على جدية وعده و على نقاء هذا الوعد لكي يحفز في وعيه الشخصي ضرورة هذا التسديد على شكل واجب والالتزام‭ ‬يتعهد‭ ‬تجاه‭ ‬الدائن‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬العقد‭ ‬بأن‭ ‬يعوض‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬عدم‭ ‬وفائه‭ ‬بالدين‭ ‬شيئا‭ ‬من‭ ‬الأشياء‭ ‬الأخرى‭ ‬التي‭ ‬يملكها‭ ‬والتي‭ ‬مازالت‭ ‬تقع‭ ‬تحت‭ ‬سيطرته‭ ‬كجسده،‭ ‬أو‭ ‬امرأته‭ ‬أو‭ ‬حريته‭ ‬بل‭ ‬حتى‭ ‬حياته‭...‬
إن‭ ‬عالم‭ ‬المفاهيم‭ ‬الأخلاقية‭ ‬من‭ ‬‮»‬ذنب‮«‬‭ ‬و‭ ‬‮»‬ضمير‮« ‬و‭ ‬‮»‬واجب‮« ‬و‮ »‬قدسية‭ ‬الواجب‮«‬‭ ‬إنما‭ ‬يجده‭ ‬مركزه‭ ‬الأصلي‭ ‬ضمن‭ ‬هذا‭ ‬الإطار‭ ‬من‭ ‬حق‭ ‬الالتزام‭ ‬‮(‬جينيالوجيا‭ ‬الأخلاق‮).‬
استنادا إلى المنظور التأويلي-الجينيالوجي ، لا مفر من استحضار مفهوم »العود الأبدي للاختلاف« أي العود الأبدي للكثرة والتعدد في تلاوينه الجزئية والصيرورة الحسية ضدا لما يترسب على السطح في قراءة حذرة من كل احتمالات العود للكلي الواحد والماهوي في استيطانه »لأقانيم‮«‬‭ ‬العقل‭ ‬والحكمة‭ ‬وإرادة‭ ‬الحقيقة‭ ‬كما‭ ‬شرع‭ ‬لها‭ ‬الحكماء‭ ‬الأخلاقيون‭ ‬والفلاسفة‭ ‬ورجال‭ ‬الدين‭ ‬عبر‭ ‬التاريخ‭ ‬الثقافي‭ ‬الأوروبي‭ ‬والكوني‭.‬
وحسب المنظور النيتشوي إذا كان الأقوياء يتباهون على الصعيد العـالمي بتشريـع »للحـروب العادلـة« و »الحـروب الوقائيـة الاستبـاقيـة« فذلـك من أجـل الرغبـة في توسيـع إشبـاع الحاجـة إلـى »إرادة الـقـوة« (La volonte de puissance) وتطوير ترسانة استراتيجيات القوة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إبداع‭ ‬قيم‭ ‬المستقبل‭ ‬الفاعلة‭ ‬ضد‭ ‬ا‭ ‬للقيم‭ ‬الماضوية‭ ‬الارتكاسية‭.‬
في المقابل يلجأ الضعفاء إلى تبرير إرادة الضعف عبر الآليات الدفـاعية المحايثة »للعقـل الحيلـة« (La raison ruse) باعتبارها استراتيجية مضـادة للحـد من قـوة الأقويـاء واستعـدادهـم للبطش وتصريف تلاوين إرادة القسوة من خلال رفع شعـار »كل شيء مبـاح مع العـدو« (Tout‭ ‬est‭ ‬permis‭ ‬avec‭ ‬l‭'‬ennemi‭) ‬‮.‬
ولكن‭ ‬لسائل‭ ‬أن‭ ‬يتساءل،‭ ‬لماذا‭ ‬انقسمت‭ ‬الإرادة‭ ‬الأخلاقية‭ ‬وتشريع‭ ‬قيم‭ ‬الحياة‭ ‬إلى‭ ‬إرادات‭ ‬متصارعة‭ ‬ومنظورات‭ ‬متصادمة‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬التصادم‭ ‬بين‭ ‬‮»‬إرادة‭ ‬الأسياد‮«‬‭ ‬و‭ ‬‮»‬إرادة‭ ‬العبد‮«.‬
انطلاقا من هذه النظرة لقيم الفكر والحياة يؤكد نيتشه في النص أعلاه أنه إذا ما أراد مؤرخو الكلي الفلسفي الميتافيزيقي والأخلاقي الوقوف هنيهة لمراجعة مواقفهم وتصوراتهم المترسبة عبر تعاقب الأحقاب التاريخية ، فما عليهم إلا أن يستعيدوا الصورة الحية والملموسة للعلاقة‭ ‬التعاقدية‭ ‬بين‭ ‬الدائن‭ ‬والمستدين‭ ‬كما‭ ‬تتعين‭ ‬موضوعيا‭ ‬في‭ ‬المستوى‭ ‬الاجتماعي‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والحقوقي‭ ‬التعاقدي‭.‬
يشتغل‭ ‬نيتشه‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الصورة‭ ‬الحية‭ ‬من‭ ‬واقع‭ ‬العلاقات‭ ‬البشرية‭ ‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬المادي‭ ‬ليرز‭ ‬التشابه‭ ‬والتناظر‭ ‬بين‭ ‬الدائن‭ ‬والمستدين‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬وبين‭ ‬القوي‭ ‬والضعيف‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭.‬
تأسيسا على ما تقدم يقر نيتشه بأن الدائن لا يتوانى البتة عن ممارسة القسوة كل القسوة لإرغام المستدين على الوفاء بتعهداته التعاقدية التي تلزمه ضرورة بالوفاء بالدين حتى وإن تطلب ذلك إجباره على تقديم تنازلات مهيمنة للإرادة وللحرية وللشرف وصولا إلى تصفيته جسديا. واستنادا إلى المماثلة يقر نيتشه أن القوي على الصعيدين الوجودي والأخلاقي لا يتراجع لحظة في الميل إلى استعراض أفانين قوته لتشريع قيم الحرب بما تفترضه من ممارسة لكل مظاهر القسوة والعنف والفظاظة والسحق والمحق من أجل إثبات تفوق إرادة القوة على إرادة الضعف.
ومن ثمة ينخرط الأقوياء في مسارات وجودية لمواجهة اختيار تحقيق البطولات والانتصارات تجسيدا لنشوة الاستمتاع بالتسلط على الضعفاء وتجاوزهم وباعتبار أن الضعيف لا حول له ولا قوة إلا أنه يلجأ إلى التعويض عن الحرمان ـ الإحساس الدفين بالحرمان من القوة إلى »المناورة الايديولوجية‮«‬‭ ‬بواسطة‮ ‬‭ ‬‮»‬العقل‮ ‬الحيلة‮«.‬
تكمن الوظيفة الأساسية للعقل الحيلة عبر التاريخ الفكري والحضاري في ابتكار الأقنعة ونشرها السطح لتكوين ذاكرة فكرية ووجودية تنتصر لقيم إرادة الضعفاء وتكرس تجريم إرادة القوة إلى حد اعتبارها أم الرذائل ومصدر كل الأوهام والشرور.
ضمن هذا السياق يبين نيتشه كيف نشأت أحكام القيمة الأخلاقية من جنس »لا تقتل«، »ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء«، »لا تفعل للآخرين ما لا تريد أن يفعلوه بك« وعندئذ يبين نيتشه الجذور الفكرية والتاريخية التي مهدت لنشأة شخصية »العبد المريض« الذي يعيش في واقع‭ ‬حياته‭ ‬على‭ ‬وتيرة‭ ‬الانفصام‭ ‬في‭ ‬الإحساس‭ ‬والذاكرة‭ ‬والسلوك‭. ‬
فالعبد‭ ‬حامل‭ ‬للأعراض‭ ‬المرضية‭ ‬لأنه‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬الإحساس‭ ‬الجفين‭ ‬بالحقد‭ ‬على‭ ‬الأقوياء‭ ‬لأنه‭ ‬فقير‭ ‬لما‭ ‬لديهم‭ ‬من‭ ‬مظاهرالقوة‭.‬
أما على سطح »الذاكرة الواعية« فإنه يميل إلى المجاملة والنفاق وتصنع الكبرياء وتصعير الخد عبر الرفع من قيمة تقديس »شعار الحقيقة والحكمة والسلم« واحتقار كل ما له بأحكام القيمة التي لها علاقة برموز ومسميات »إرادة القوة« المساوقة لتسويق »شعار الحرب«.
ملاحظة : إن اختيار التأويل الأخلاقي-السياسي لأفول مطلب الكلي الميتافيزيقي في اللحظة التاريخية الراهنة لا يمثل في الحقيقة سوى اختيار منهجي باعتبار أنه لا يبرر مطلقا إقصاء الاحتمالات الممكنة لتأويل إرادة القوة ضمن المسار الوجودي والفني الجمالي الذي يجده مبثوثا‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬الآثار‭ ‬الفلسفية‭ ‬التي‭ ‬خلفها‭ ‬نيتشه‭.‬
ومن‭ ‬ثمة‭ ‬نخلص‭ ‬إلى‭ ‬الإقرار‭ ‬بوجود‭ ‬تداخل‭ ‬في‭ ‬المنظورات‭ ‬الجينيالوجية‭ ‬لتأويل‭ ‬تجليات‭ ‬العود‭ ‬الأبدي‭ ‬لإرادة‭ ‬القوة‭ ‬حسب‭ ‬التمشي‭ ‬الذي‭ ‬تميز‭ ‬به‭ ‬المنهج‭ ‬الجينيالوجي‭ ‬سواء‭ ‬بسلوك‭:‬
- مسلك التحطيم الجذري لأوهام الذاكرة الميتافيزيقية واللاهوتية والمدونات الأخلاقية التي بررت بشكل مخاتل وزائف يعتمد الموارية والثورية في نشر قيم إرادة الضعفاء الموسومة كلها »بتاء التأنيث« كالحكمة والرحمة والشفقة والعدالة والمساواة والفضيلة.
‭ - ‬أو‭ ‬سلوك‭ ‬مسلك‭ ‬الاستعاضة‭ ‬عن‭ ‬أحكام‭ ‬القيمة‭ ‬المحايثة‭ ‬لإرادة‭ ‬القوة‭ ‬بوصفها‭ ‬قيم‭ ‬المستقبل‭.‬
هـذه‭ ‬القيـم‭ ‬التـي‭ ‬مـن‭ ‬شـأنـهـا‭ ‬أن‭ ‬تـحـفــز‭ ‬‮»‬الإنـسـان‭ ‬الـمـتفـوق‮« ‬‭ (‬Le‭ ‬super‭ ‬man‭) ‬‮ ‬نحـو‭ ‬إبـداع‭ ‬قيـم‭ ‬تتوجـه‭ ‬إلى‭ ‬تحـريـر‭ ‬الحيـاة‭ ‬من‭ ‬قيـم‭ ‬إرادة‭ ‬الضعف‭.‬



هيڤل‭ : ‬الفن‭ ‬بين‭ ‬التناهي‭ ‬الطبيعي‭ ‬واللاتناهي‭ ‬الفكري

‮❊ ‬بقلم‭ ‬الأستاذ‭ : ‬زكي‭ ‬العبيدي

ينقلنا الفن من ألم الوجود ومعاناته إلى الفرح والسرور ويحملنا من عالم الضرورة والقيود إلى عالم اللاتناهي والحرية ، وبذلك يكون الفن مراوحة بين الفكر والطبيعة ، وبين الواقع والأمل وبين الحرية والضرورة ، وبين الشكل والمضمون ، وأخيرا بين الذات والموضوع . إن هذه النظرة الشمولية لم تكن قائمة قبل هيڤل الذي وصفه ألكسندر كوجيف قائلا »لم يفلت أحد من القبضة الهيڤلية« لأنه اكتسب بامتياز صورة المنظور الكلي للحقيقة عموما وحقيقة الفن خصوصا إذ نجده يرتقي به إلى ماهو إنساني في الإنسان ، أنه شيء من الحقيقة والاكتمال دون أن يكون منفصلا عن الواقع المباشر للإنسان سواء كان ذلك في المستوى الاجتماعي الموضوعي أو الذاتي ، ودون أن يفقد بذلك الفن قدرته على استيعاب الذات لذاتها استيعابا وتمثلا لذاتها وحياتها وعلاقتها بالواقع استيعابا روحيا ممتعا ، شاملا وذلك في قالب صور حسية »فالفن‭ ‬شكل‭ ‬من‭ ‬إشكال‭ ‬امتلاك‭ ‬الإنسان‭ ‬امتلاكا‭ ‬فكريا‭ ‬لذاته‭ ‬وللعالم‭ ‬،‭ ‬وبالتالي‭ ‬شكل‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬وعيه‭ ‬الاجتماعي‮«‬‭(‬1‭) ‬‮.‬
لذلك نجد هيڤل يكشف الرباط الوثيق بين الإنسان والفن مؤكدا فكرة بومغارتن 1762-1712 (وهو أول من عرف علم الجمال في مؤلفه الاستيتيقا) في إمكانية تنزيل الفن في سجل استيتيقي رافضا بذلك اعتراضين : الأول يتعلل بلا تناهي الجمال وتنوعه ، والثاني هو الجمال كخيال وحدس وتجربة شعورية غير قابلة للدراسة العلمية . ولكن هيڤل يؤكد أن الفن يمكن أن يكون موضوعا فلسفيا أو مايسمى »بعلم الجمال« مبينا مشروعية قيام هذا العلم انطلاقا من أن الوهم يقوم في الواقع أكثر من الفن » إننا لانطلق اسم الأوهام لا على أشياء العالم الخارجي ، ولا على مايكمن في عالمنا الباطن ، في وعينا . ولا شيء يمنعنا من القول أن ظاهر الفن ، قياسا إلى ذلك الواقع ، وهمي ، لكننا نستطيع القول بقدر مماثل من الصواب أن مانسميه بالواقع وهم أقوى وأشد ظاهرا أكثر خداعا من ظاهر الفن« (2) وهذا يعني أن الفن أكثر نقاء من الواقع الذي يحمل في طياته أوجه الخداع والإخفاء . فالفن أقرب إلى الحقيقة وهو صورة متحررة من الواقع ولكنها محايثة له إلى درجة تجعلنا نشرع إلى إمكانية قيام الاستيتيقا أو علم الجمال الذي اعتبره هيڤل من الناحية الابستمولوجية شبيها بعلم النفس لايكون موضوعه غير المادي عائقا أمام علميته ((راجع المدخل الى علم الجمال ص 9 - دار الطليعة). لذا يبرز هيڤل حقيقة الفن في قدرته على التعبير عما هو إنساني ، حيث يندرج الكلي ذلك أن الفن يرتقي إلى الحقيقة لأن انشغاله بالكلي يعتبر اهتماما بالجزيء وإذا انشغل بالجزيء فهو يهتم بالكلي طالما‭ ‬أن‭ ‬الكلي‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬الجزيء‭ ‬والعكس‭ ‬بالعكس‭ ‬،‭ ‬وأن‭ ‬الفصل‭ ‬بين‭ ‬هذا‭ ‬الزوج‭ ‬ألمفهومي‭ ‬أمر‭ ‬متعذر‭ ‬لأن‭ ‬الرأي‭ ‬الذي‭ ‬يعتبر‭ ‬الجزيء‭ ‬نقيض‭ ‬الكلي‭ ‬قد‭ ‬ولى‭ ‬دون‭ ‬رجعة‭ . ‬
وبما أن الفن ينشغل بالإنسان في كليته فهو يمكن أن يكون موضوعا للدراسة الفلسفية وذلك في إطار علم الجمال الذي وضع ركائزه هيغل ، يقول جورج لوكاتش »لولا هيڤل لما كان علم الجمال على ماهو عليه« لهذا نجده يحمل الفن رغبة المرء في معالجة روح الجد العلمي فيما هو عار من الجد وبذلك يخرجه من دائرة التحذلق والابتذال دون أن يجعل منه تعبيرا جديا يلعب دور الوساطة بين العقل والحساسية ، لذا يمكن القول بأن الفن ينقلنا من التناهي الطبيعي إلى اللاتناهي الفكري ويمكننا من تجاوز مملكة الضرورة إلى مملكة الحرية . ويمكن من تجسيم أسمى طموح يتطلع إليه الإنسان. ولكن هذا الانتقال لايمكن الفكرة من مبارحة الواقع طالما أن »كل ما هو عقلاني واقعي ، وكل ماهو واقعي عقلاني« بعبارة هيڤل . فالفن شيء من الواقع وهو محايث للصيرورة التاريخية . وهنا تكمن الحقيقة الفنية المتطورة بتطور المفهوم وبتطور التاريخ المباشر للإنسانية طالما أن هنالك انبساط واحد بعينه في الفكر وفي تاريخه ، ولهذا يؤكد هيڤل الرابطة المتين القائم بين الفن والثقافة قائلا »إن الجمال يتدخل في كل ظروف حياتنا فإذا نظرنا حولنا للبحث عن مصادره التي يظهر لنا فيها لأدركنا لماذا أودعت الشعوب في الفن أسمى أفكارها ومشاعرها ، بحيث يمثل الفن غالبا الأداة الوحيدة لفهم ثقافة شعبها« (3) وهذا ما يفسر اهتمام هيڤل بالفن المعماري بوصفه رمز لحضارة الشعب تظهر ضمنه أمال تلك الحضارة وسموها وقدرتها على التعبير فهو »لغة تخاطب الروح وان كانت خرساء« (4) إن هذه المعالم توقظ في الإنسان التمثلات العامة وتجعله يدرك حقيقة العلاقة بين الإبداع والدين والتاريخ والمعرفة . وهذا ليس غريبا على فلسفة هيڤل التي تجعل من الفن »تجليا حسيا للروح (الوعي) المطلق« وفي هذا المستوى يلتقي الفن مع الدين والفلسفة ، لذا لا يكون الفن تقليدا شكليا للواقع ، والغاية السامية التي يهدف لها هي تلك التي يشترك فيها مع الدين والفلسفة ، وهو أقل الأشكال اكتمالا طالما أنه في علاقة تلازم ضروري مع الحسي . ويمكن أن نفهم هذا عندما نتتبع رحلة الوعي لدى هيڤل التي تبدأ من مستوى وعي الذات بذاتها ثم الوعي الموضوعي وصولا إلى الوعي المطلق الذي يتضمن الفن والدين والفلسفة وتبرز أهمية الفن في كونه عبارة على حوار جدلي بين الحسي والوعي المطلق ومعنى هذا أنه »في الفن تتعرف الفكرة المطلقة على ذاتها في قالب رؤى حسية« (5) بعبارة هيڤل . وهنا تتحرر الفكرة من حدود الطبيعة‭ . ‬وفي‭ ‬الدين‭ ‬يكمن‭ ‬الإلهي‭ ‬في‭ ‬كمال‭ ‬صفاته‭ ‬أما‭ ‬في‭ ‬الفلسفة‭ ‬تكمن‭ ‬الحقيقة‭ ‬بما‭ ‬أن‭ ‬الفلسفة‭ ‬قمة‭ ‬تطورها‮.‬
الوعي المطلق والمفهوم ، الذي وان قام كمثل أعلى يمكث في علاقة بالواقع »الفلسفة هي العالم ملخص في الفكر« أو هي »فكرة العالم « كما عبر عن ذلك هيڤل . فلقاء الفلسفة والدين والفن يتم في مستوى الروح المطلق الذي يكون الفن تعبيرا حسيا عنه ، بينما يكون الدين تعبيرا رمزيا للروح ، أما الفلسفة فهي مرحلة أرقى يحمل فيها الروح على الوعي الذاتي التام . وبما أن الفن يجسم محايثة مباشرة مع المحسوس والمتناهي فهو أقل اكتمالا من الدين والفلسفة لذا يعبر عن مصالح الإنسان ومنافعه . وهنا نجد هيڤل يسخر من الذين يعتقدون أن الفن خال تماما من النفع مقدما مثال الرجل الذي يقوم بحركات بهلوانية بحبات العدس أمام الاسكندر الأكبر فكان أن كافأه بشيء من العدس لأن ذلك النشاط لا طائل منه ولافائدة . وبهذا المنظور ندرك أن هيڤل يجعل للفن مضمون عملي في التجربة الحسية ولكنه يرتقي به إلى الحقيقة قائلا »هكذا يعلم الفن الإنسان عن الإنساني ويوقظ فيه مشاعر راقدة ، يضعنا في حضرة اهتمامات الروح الحقيقية« (6) فالفن يقيم علاقة بين الجانب الخارجي الحسي المتناهي وعمق الفكر . وهو علاقة بين الواقع والإنسان وهذا يفرض حوارا مبدعا خلاقا بين الشكل والمضمون . طالما أن الأثر الفني يعبر عن الروح وحاجاتها التي تسعى إلى إظهارها للعيان فهو كاللغة التي نحقق من خلالها مقاصدنا المتنوعة ، ولكن الفرق بين الأثر الفني واللغة هو كونها تحمل علامات اعتباطية غير مبررة ولا تستوجب رابطا بين الدال والمدلول بينما يشترط الفن أن تقوم علاقة تبرير وتلازم بين الشكل والمضمون »غير أن وسيلة التواصل في اللغة هي مجرد علامة ، وهي لذلك علامة اعتباطية تقع خارج حدود الفكرة أما الفن فهو بخلاف ذلك ليس من شأنه أن يقتصر على استخدام علامات بل عليه أن يمنح الأفكار ما يناسبها من الوجود المحسوس . وهكذا فينبغي للأثر الفني الذي تقع عليه الحواس أن ينطوي في ذاته على مضمون ما« . (7) والمضمون هنا ليس أي نتاج من نتاجات الطبيعة بل هو نتاج لتمثلات الروح وقدرتها على إنتاج الجميل . وفي هذا المستوى تقوم عظمة الفن الذي يستطيع التعبير بصورة جمالية عن نشاطات الروح وتمثلاتها وعلاقتها بالواقع الإنساني وتجسيم حوار الذات والموضوع لينتج الأثر الفني الذي يعرض أمام أنظار الناس ويتحول تدريجيا إلى تمثل جماعي وذلك مايقوم في الفن المعماري مثلا الذي »صرفت الشعوب ... حياتها كلها وجميع أوجه نشاطها في سبيل تشييدها« (8). وهنا يتأكد الرابط بين الشكل والمضمون الذي جعل منه هيڤل أساسا لقراءة تاريخ الفن حيث تقوم أولا المرحلة الرمزية وهي مرحلة الفن الشرقي الذي يظهر فيه اختلال بين كثافة المادة ومحدودية الفكرة ، فلو أخذنا الأهرامات مثلا لوجدنا مادتها ضخمة بالمقارنة بالفكرة التي تسكنها وهي مقبرة الآلهة . وهنا يتفوق الشكل المادي على المضمون الفكري بالضرورة . وثانيا المرحلة الكلاسيكية وهي مرحلة الفن اليوناني حيث يقوم التوافق بين الشكل والمضمون ويظهر ذلك في النحت اليوناني الذي يتضمن تناسب المادة غير الكثيفة والمضمون ويظهر ذلك بوضوح أكبر في الملحمة الشعرية التي مجدت البطولة وخلدتها واعتبرتها جزءا من فضائل الأمة وهنا نعثر على لقاء الصورة الشخصية والحقيقة الموضوعية من ناحية ولقاء الإنساني بالإلهي في إطار المثل الأعلى الجمالي . »قد أضفى النحات اليوناني الصورة الإنسانية على الآلهة فعبر عن الروح وأوجد بذات الوقت‭ ‬مثالا‭ ‬أعلى‭ ‬للجمال‮«‬‭ (‬9‭) ‬‮.‬
ثالثا : المرحلة الرومانسية وهي مرحلة الفن في القرون الوسطى والفن الحديث وهنا يتفوق المضمون الفكري على الشكل المادي . فهذه المرحلة تكشف عن تطور تاريخي للفكرة وقدرتها على تجاوز المادة وتلك هي علامة على تحرر الروح من سيطرة المادة لتعبر عن لحظة انطلاقها إلى المطلق وبهذا يتفوق المضمون على الشكل وذلك مانلاحظه في الرسم والموسيقى والشعر يقول هيڤل »أن الشعر هو الفن المطلق للفكر الذي أصبح حرا في طبيعته« (10)لذلك يتأكد لنا أننا إزاء تواتر وتناغم يكشف فيه الفن عن صورة الإنسان كمفهوم وككلية في علاقتها بالمطلق الإلهي أو الحقيقة ذلك أن الإله بمنظور هيڤل هو الحقيقة »وما الفن سوى خطوة سابقة في طريق العقل نحو الحقيقة« (11) أن هذه الخلفية هي التي جعلت فكرة هيڤل حول الفن تولد من نقيضها وفق القانون الجدلي »نفي النفي« والإثبات أي أن فكرة هيڤل تولد من رحم الفكرة الأفلاطونية لتجسم نقيضها في الصيرورة التاريخية ولهذا نجد هيڤل يرفض المحاكاة قائلا »ينبغي إذا أن يكون للفن هدف أخر غير هدف المحاكاة الشكلية الصرف لما يوجد ، تلك المحاكاة التي لايمكن أن ينتج عنها سوى عيب تقنية لا تمت بصلة إلى العمل الفني« (12) والمحاكاة (mémisis) فكرة ينسبها أفلاطون للفن ليكون في مرتبة ظنية (doxa) للحقيقة . ذلك أن الحقيقة الأولى توجد في عالم المثل أي عالم الحقيقة والماهيات الكبرى (الخير والحق والجمال) والحقيقة الثانية هي النسخ الذي يقوم به الحرفي أو النجار للمهد وهي ليست الحقيقة بل هي مجرد وهم قد تذكرته طالم أن »المعرفة تذكر والجهل نسيان« وحين يعمل الرسام على نسخ المهد فهو ينتج وهم الوهم أو نسخ النسخ ولهذا احتلت المرتبة الثالثة من الحقيقة بمنظور أفلاطون . ولايقف الفن عند حدود إنتاج الوهم بل ينتج الإيهام وذلك مايقوم به الشعراء في خطابهم المغالط‭ ‬الذي‭ ‬يخاطب‭ ‬الوجدان‭ ‬لاالعقل‭ ‬ويعمل‭ ‬على‭ ‬استمالة‭ ‬السامعين‭ ‬لجلبهم‭ ‬إلى‭ ‬مواقع‭ ‬التغليط‭ ‬،‭ ‬ولهذا‭ ‬دعا‭ ‬أفلاطون‭ ‬إلى‭ ‬إقصائهم‭ ‬من‭ ‬جمهوريته‮.‬
لكن هيڤل كما رأينا يعتبر الشعر فنا يرتقي بالروح إلى مواطن الحقيقة ويمكن الذات من التعرف على ذاتها في عالم من الحرية . لذلك اعتبر فيلسوفنا المحاكاة عملية تقنية مبتذلة نافية من الإنسان كلما هو روحي وكلي وكل ماهو حقيقة . وهذا ما جعله يصف هذه العملية التقنية بما يلي »إن ثمة رسوم لأشخاص يقال عنها بشيء من الدعابة أنها تشبه الأصل إلى حد الغثيان« (13) ومرد ذلك أن محاكاة الطبيعة لا تنتج سوى الابتذال ويماثل هيڤل هذه العملية بالدودة التي تحاول أن تقلد الفيل ، فلا تجوز المقارنة .
نستنتج مما تقدم أن الفن الذي يسعى إلى محاكاة الطبيعة سيبقى عاجزا عن هذا الرهان لأن مايعجبنا في حقيقة الأمر محاكاة الطبيعة لما هو إنساني فنستخدم بذلك أوصافا إنسانية في وصف جمالية الطبيعة فنقول الجبل متوج بالزهور أو البلبل يغني ... الخ .
لذلك يدحض هيڤل مزاعم القول بمحاكاة الفن لما هو طبيعي انطلاقا من أن هذه العملية لا تستوجب من الفكر سوى استحضار الذاكرة لما هو مباشر ، بينما يكون رهان الفن مجسما في الحرية وفي قدرته على التعبير عما هو جميل . وحتى المحاولات التي تستحضر الطبيعة في مباشرتها تحمل في طياتها دافع التفوق الإنساني وسعيه الدؤوب إلى البراعة والإبداع والخلق وبذلك ينبع هذا الجهد من الروح لأن مضمون الفن لا يكون إلا من طبيعة روحية وهو لايرضى بالواقع لأنه إيقاظ للنفس وهذا هو الهدف النهائي للفن الذي يكشف عن الجوهري في كليته وسموه وحقيقته. لذلك يفرض الفن تجربة جديدة للحياة ترتقي إلى المضمون الكامن في الفكر ولهذا يوقظ الفن الشعور . »والحال إن ما نسعى إليه و نطلبه ليس ترضية الذاكرة فحسب ، عن طريق الاستحضار المباشر للحياة كليتها ، وإنما أيضا ترضية النفس« (14) وذلك بنقل جميع المضامين إلى باطن النفس الإنسانية ليمكنها من الإحساس بالمصائب والآلام وكل الانفعالات القائمة في التجربة الانطلوجية . وتلك هي مفارقة الفن الذي يرتقي بنا إلى مواطن السمو ولكنه يغوص في تفاصيل التجربة الإنسانية بأهوائها وحماستها وشهواتها ... ولكن حين تتوطد العلاقة بين شكل الأثر الفني ومضامينه تتجسم حقيقة الروح في حريتها وتجاوزها للوحشية وتلطيفها للقبح ونقله إلى مواقع الجمال وهنا يقوم الفن بوظيفة أخلاقية تهذيبية فهو يساعد على التسامي عن الرغبة المباشرة (الكاتارسيس) »هدف الفن يكمن لا في استحضار الأهواء فحسب ، بل أيضا في تطهيرها« (15) بعبارة هيغل . نتبين من هذه الوظيفة أن الفن إلمام بحقيقة الإنسان في أبعادها المتنوعة : الحسي الشهوي وما يقابله من سمو وجمال وفضيلة . الواقع المرئي والخيال المطلق . العالم في فظاظته وجمالية الروح . التناهي الطبيعي واللاتناهي الفكري . أن كل ذلك يكشف عن الوحدة في إطار التناقض لنؤكد بأن الفن هو الحقيقة وهو الحرية التي اعتبرها هيغل وعيا للضرورة (الضرورة : قوانين الواقع بأبعاده المختلفة و التي يخضع لها الإنسان) . فالفن ينساب بين تلك المتناقضات ليجسم وحدة العقل والواقع وليكشف العلاقة بين النفي والإثبات فهو تأكيد للحقيقة وكشف لها وإعادة صياغتها لذلك يؤكد هيڤل الوظيفة النفسية والأخلاقية للفن وبهذا لايمكن أن يكون منشدا لابتذال المحاكاة فهو رفض لها وانتصار للإنسان في كليته . ولكن هيڤل يعترف بأن الفهم الأفلاطوني والأرسطي كان مشروعا في رحلة الوعي في التاريخ إذ نجده يقول »يوم كان التفكير مازال يحبو في بداياته ، كان من الممكن الاكتفاء بفكرة مماثلة (الإشارة إلى المحاكاة) شيء سيكشف لنا عن أنه آن من آناء الفكر« (16) ولكن القفزة النوعية التي أقامها هيڤل كشفت الرابطة القائمة بين الفن والواقع من ناحية وبين سعيه للجمالية وعلاقتها بالحقيقة من ناحية أخرى . فهل تكون بذلك موضوعية الجمال الفني منتجة لمقاربة للحقيقة شبيهة بما ينتجه العلم ؟ »تختلف حال التأمل في الفن عنه في العلم ، ففي العلم يحاول المرء أن يكشف عن الطبيعة الأساسية أو الجوهرية للموضوعات ، أما في الفن فان التأمل يحصر اهتمامه ببساطة في الجوانب التي يتجلى من خلالها العمل الفني ـ كموضوع خارجي ـ بالنسبة للحواس ، أي من خلال خصائصه المميزة كاللون والشكل والصوت« ... (17) وهذا يعني أن الحقيقة العلمية تتطابق مع الواقع بينما يتجاوز الفن الضرورة لينتج حقيقته ويسوق هيڤل مثال‭ ‬نظرتنا‭ ‬للشمس‭ ‬،‭ ‬فإذا‭ ‬نظرنا‭ ‬إليها‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬حتميتها‭ ‬ومن‭ ‬جهة‭ ‬حضورها‭ ‬الضروري‭ ‬فان‭ ‬جمالها‭ ‬يختفي‭ ‬ويضيع‭ ‬عنا‭ ‬ولذا‭ ‬يفلت‭ ‬الفن‭ ‬عندها‭ ‬من‭ ‬مملكة‭ ‬الضرورة‭ ‬إلى‭ ‬مملكة‭ ‬الحرية‭ . ‬
هكذا نجد أنفسنا أمام تمثل للفن يتجاوز التناقضات التقليدية ويلم بشمولية الظاهرة دون أن تنحصر في ألم الواقع أو تنساب إلى الخيال اللاواقعي أو تكتفي بالذاتية المقيتة أو الموضوعية المشيئة . فالفن رفض لكل هذا بالرغم من قدرته على استيعاب كل هذا استيعابا روحيا ممتعا جميلا وشاملا ، لذا نجد هيڤل نفسه يخلص إلى تعريف نهائيا للفن (وهو غير نهائي بأي حال من الأحوال) إذ نعثر عليه في المدخل إلى علم الجمال ص 98 يقول »إذا كنا نريد أن نعزو إلى الفن هدفا نهائيا ، فأنه لا يمكن أن يكون سوى هدف كشف الحقيقة ، وتمثيل ما يجيش في النفس‭ ‬البشرية‭ ‬تمثيلا‭ ‬عينيا‭ ‬ومشخصا‭ . ‬وهذا‭ ‬الهدف‭ ‬مشترك‭ ‬بينه‭ ‬وبين‭ ‬التاريخ‭ ‬،‭ ‬والدين‮...«‬‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬هيڤل‭ ‬يعترف‭ ‬بخطأ‭ ‬هذا‭ ‬الهدف‭ ‬النهائي‭ ‬لأن‭ ‬الفن‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬التاريخ‭ ‬ولا‭ ‬يفهم‭ ‬إلا‭ ‬ضمن‭ ‬الصيرورة‭ . ‬
‮❊ ‬‭ ‬المرجعيات‭ ‬المعتمدة‭ :‬
1‭ ‬‮ ‬ـ‮ ‬علم‭ ‬الجمال‮ ‬ـ‮ ‬‭ ‬د‭ ‬نايف‭ ‬بلوز‮ ‬ـ‮ ‬‭ ‬مطبعة‭ ‬التعاونية‭ ‬بدمشق‭ ‬1983‭ - ‬1982‭ ‬ص108‭ ‬‮.‬
‭ ‬2‭ ‬ـ‮ ‬المدخل‭ ‬إلى‭ ‬علم‭ ‬الجمال‭ ‬هيڤل‭ ‬ـ‮ ‬ترجمة‭ ‬جورج‭ ‬طرابيشي‭ ‬ـ‮ ‬دار‭ ‬الطليعة‭ ‬بيروت‭ ‬ص28‭ ‬‮.‬
3‭ ‬‮ ‬ـ‮ ‬نفس‭ ‬المرجع‭ ‬نص‭ ‬مترجم‭ ‬للطفي‭ ‬العربي‭ .‬
‭(‬HEGEL‭ ‬ESTHTIQUE‭ . ‬CHAP‭ ‬14‭)‬
‭ ‬5‭ ‬ـ‮ ‬المدخل‮ ‬‭ ‬إلى‭ ‬علم‭ ‬الجمال‭ ‬هيڤل‮ ‬ـ‭ ‬ترجمة‭ ‬جورج‭ ‬طرابيشي‮ ‬ـ‮ ‬‭ ‬دار‭ ‬الطليعة‭ ‬بيروت‭. ‬
‭ ‬6‭ ‬ـ‮ ‬المدخل‭ ‬إلى‭ ‬علم‭ ‬الجمال‭ ‬هيڤل‮ ‬ـ‭ ‬ترجمة‭ ‬جورج‭ ‬طرابيشي‮ ‬ـ‭ ‬دار‭ ‬الطليعة‭ ‬بيروت‭ ‬ص44‭ ‬‮.‬
‭ ‬7‭ ‬ـ‮ ‬دروس‭ ‬في‭ ‬الجمالية‭ ‬‮(‬الفن‭ ‬المعماري‮).‬
8‭ ‬‮ ‬ـ‮ ‬نفس‭ ‬المرجع‭. ‬
9‭ ‬‮ ‬ـ‮ ‬علم‭ ‬الجمال‭ ‬ـ&


لك الكلمة
المحاور الرئيسية
الاولى
شؤون وطنية
شؤون نقابية
آخر الأحداث
الحوار النقابي
اقتصاد
قضاء
ثقافة وابداع
الأخيرة
الخدمــات
Protected By Assali DevMaster
Protected By Assali DevMaster
تـوقعـات الطقـس
حالة الطقس
أوقات الطيران
أوقات القطارات
أوقات الحافلات
التصويت
اي مهام تريد ان تبادر بها الحكومة الجديدة
- توفير الشغل لطالبيه 35 %
- احداث صندوق بطالة 06 %
- التخفيض من الاسعار 22 %
- الغاء الفقر 02 %
- ايقاف الخوصصة 05 %
- انشاء مؤسسات عمومية جديدة 03 %
- محاسبة الفاسدين وقتلة الشهداء 12 %
- الاعداد للانتخابات القادمة 10 %