|
|
|
الخميس 19 ماي 2010
الباعث : رئيس التحرير
دروس الباكالوريا
التسييس والتغريب والتأصيل مقدمة : تنتمي مسرحية "مغامرة رأس المملوك جابر" لسعد الله ونوس إلى مرحلة هامة من تاريخ المسرح العربي ومن تاريخ المؤلف ذاته. وهي المرحلة الموسومة بمسرح "ما بعد الهزيمة" أو "مسرح وعي الهزيمة" والتي كان قد افتتحها المؤلف بمسرحيته الشهيرة "حفلة سمر من أجل 5 حزيران).1968" ( في هذه المرحلة تملــّك المؤلف هاجسان : هاجس سياسي/ تسييسي وهاجس آخر جمالي فني يمثلان وجهين لسؤال واحد كيف نتجاوز الهزيمة؟ انطلق هذا السؤال موقف المؤلف يرى أن المسرح الكلاسيكي محكوم بخلفية بورجوازية إن على مستوى الأشكال والتقنيات وإن على مستوى المواقف الفكرية : "كانت التجارب المسرحية السابقة على 1967 تتوهم أنه بالإمكان ممارسة تجربة مسرحية حدودها الفن وحدودها تعميم خدمة ثقافية ما عبر تحطيم نماذج عشوائية وغير مترابطة من ريبارتوار المسرح العالمي، لذا كانت معركتنا الأولى هي هل ينبغي أن يهتم المسرح بالسياسية أم لا؟..." يقرر المؤلف القطع مع نمط مسرحية محدود بحدود الفن هزيمة ومنفصل عن تربته الثقافية المحلية وعن الجماهير الكادحة. من ههنا ينطلق المؤلف متطلعا إلى مسرح مغاير هدفه "التسييس" وأدواته التغريب. يتجاوز مفهوم "التسييس" عند ونوس مفهوم المسرح السياسي لا من جهة المضمون فحسب بل من جهة الأدوات والوسائل. فمسرح التسييس المقصود هو ذاك الذي ينطلق من القضية السياسية تحديدا والتي هي في نظره رد الأزمة الأساسية التي تعاني منها... والتي ينبغي مواجهتها وهي الأزمة السياسية الاجتماعية ومن هذه الأزمة تتوالد سلسلة الأزمات الكبيرة والصغيرة. ولكنه لا يقف في حدود عرض القضية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية . وإلى عمق الطرح ينضاف شرط أن يبحث العمل المسرحي عن أفق تقدمي يتجاوز به المسرح السياسي الذي اكتفى في نظر ونوس بمحاكاة الواقع، تلك هي الزاوية الفكرية لمسرح التسييس عند ونوس والتي تعني أننا نطرح المشكلة السياسية من خلال قوانينها العميقة وعلاقاتها المترابطة والمتشابكة داخل بنية المجتمع الاقتصادية والسياسية وأننا نحاول في الوقت نفسه استشفاف أفق تقدمي لحل المشكلة" على أن هذه الغاية / الهدف لا تعني تغييب الناحية الجمالية بل تقتضي نظرا إليها مغايرا ومعالجة جديدة، فالتسييس يتحدد أيضا من زاوية ثانية : "فنية من خلال هدم العلاقة التقليدية الساكنة بين الصالة والخشبة لإقامة علاقة جديدة يندغم فيها الممثل بالمتفرج في جوّ من الألفة والصراحة بحيث تتقوض الحواجز ويحل الحوار بينهما بدلا من علاقة المرسل والمتلقي". وهذا ما حاوله المؤلف في مسرحية "مغامرة رأس المملوك جابر" حين عمد إلى ما يسميه بكسر الطوق اليابس بين الركح والصالة من أجل خلق حوار مرتجل وحار وحقيقي بين مساحتي المسرح : العرض والمتفرج. ولكن كيف يمكن إقامة هذا الحوار؟ وما هي الأدوات الكفيلة بتحقيق ذلك؟ ينبغي التذكير هنا أن الجمهور المستفيد بالخطاب المسرحي عند ونوس هو جمهور محدد الهوية : "إننا نريد مسرحا للجماهير أي الطبقات الكادحة من الشعب" وهو الجمهور الذي غيّبه المسرح التقليدي ذو البنية السلطوية، إذ الخشبة فيه "صوت سلطوي وحيد والصالة جمهور سلبي مستمع بلا صوت أو مقموع الصوت، الخشبة كناية عن الصوت القادم ن الأعلى والذي يشكل الحقيقة" (خالدة سعيد). هنا يتقاطع الفكري بالجمالي والغاية بالوسيلة بناء مسرح يتحرر فيه الجمهور من صمته وسلبيته ليصبح مشاركا في العمل المسرحي ومنتجا للدلالة. في مسرحية "مغامرة رأس المملوك جابر" يجرّب ونوس هذا الحوار من خلال تقنيات التغريب التي تأثر فيها بالمسرحي الألماني برتولد بريخت. يهدف التغريب أو التبعيد أساسا إلى كسر الإيهام ومنع اندماج المتفرّج في العمل المسرحي ويقوم على عرض شيء أو موقف مألوف في إطار من القول والفعل يظهره غريبا. إن هذه الغرابة بكسر ألفتنا مع الأشياء المعروضة تنتهي إلى نزع بداهيته وحتميته، ومن ثمة يمكن للمتفرّج أن يقبله أو يرفضه وأن يتساءل عنه. إن انفصال المتفرّج عن الخشبة وما يعرض تعقبه لحظة تأمل ورؤية جديدة تتيح إعمال الفكر وتفتح إمكانيات التغيير. هذه الرؤية المسرحية بتقنياتها الجديدة تجلـّت في مسرحية "مغامرة رأس المملوك جابر" عبر مستويات متعددة يمكن حصرها في : -1 تغريب الحكاية : وهي عملية تتم من خلال أسلوب التضمين بالعودة إلى الحكاية التراثية باعتبارها حكاية مكتملة ومعروفة يحوّلها المؤلف إلى أمثولة تتيح للمتفرّج فرصة تأملها وتدبّر العبرة المستخلصة منها، دون الوقوع تحت تأثير سيرورتها. وتوازيا مع العودة إلى الحكاية التراثية عمد المؤلف إلى استلهام أشكال الفرجة المعروفة عند العرب ممثلة في كرسي الحكواتي ليست بحثا عن تجذير المسرح في الثقافة العربية بل لأن الحكواتي أتاح للمؤلف فرصة التواصل مع المتفرج وإيجاد وسيلة أخرى لكسر عملية الاندماج. فالحكواتي عبر ما يجريه من عمليات التقطيع للمشاهد واللوحات المسرحية تمهيدا وتلخيصا إنما يقطع على المتفرجين انغماسهم الوجداني في الحدث المسرحي يعمل على تذكيرهم بأن ما يعرض أمامهم ينتمي إلى زمن آخر. ولذلك كان مبررا أن تكون ملامح الحكواتي على غير المألوف في التراث إذ يتولى عرض الحكاية "بحياد بارد" والكف عن التفاعل مع ما يروي في حركة وتيرة صوته وملامح وجهه وموقفه. بل يرفض أن يساق وراء رغبة الزبائن في حكاية ذات نهاية مفرحة كسيرة الطاهر بيبرس التي لم يحن أوانها بعد. إن تغيير ملامح الحكواتي يرتبط بتحول وظيفته من الإيناس والإمتاع (التنفيس) إلى الشحن والتحريض (التسييس). -2 تغريب الفضاء/ الركح ويتجلى من خلال التداخل بين الفضاءات مكانا وزمانا أو المسرح داخل المسرح. فنحن إزاء فضاء إطاري (أصلي) ممثلا من المقهى زمن الحاضر (الليل) ومنه ينبثق فضاء آخر فرعي ممثلا في بغداد ساحاتها العامة وبيوت عاصمتها وقصورها... ومن شأن المراوحة بين الفضاءات والأزمنة أن تقطع عملية اندماج المتفرّج مع الحدث المسرحي. إن اختيار فضاء المقهى بزبائنه والحكواتي بقدر ما يمنع عملية الاندماج يسهم في خلق مساحة للتفاعل بين الجمهور و الركح فالزباءن ليسوا في نهاية المطاف إلا صورة من المتفرج الحقيقي بل هم ممثلون يؤدون دور الجمهور ويجسدونه وهكذا يتفرج جمهور الصالة على نفسه في مرآة الزبائن وما تدخلهم تعليقا ومحاورة في الحكاية المعروضة إلا صورة مأمولة لما ينبغي أن يكون عليه المتفرج بغض النظر عن مضمون خطابه ومواقفه. ولقد حكمت الركحين/ الفضاءين علاقات متنوعة من التناوب : كأن يمهّد الحكواتي ثم يفسح المجال لممثلي الحكاية البغدادية، إلى التوازي وذلك عندما يتزامن عرض مشهد من الحكاية المضمنة مع تكلـّم الحكواتي وصولا إلى التداخل بين الفضاءين تداخلا حتــّم على الحكواتي التدخل لإعادة النظام (الحكواتي يعلو صوته ويحاول السيطرة على الضوضاء). في الديكور : تميّزت هذه المسرحية بتقشف واضح تراوح بين بساطة قطع الديكور وقلتها من جهة والاستعاضة عنها بلوحات مرسومة في أحيان كثيرة من جهة ثانية، بل إننا لا نعثر على إشارة واحدة إلى الأزياء والملابس. وإمعانا في تغريب الفضاء حافظ ونوس على ثباب الديكور ووحدته رغم تغيّر الأطر من ذلك أن ديكور قصر الخليفة هو ذاته ديكور قصر الوزير وقصر ملك العجم. -3 تغريب الشخصيات : بدت الشخصيات في هذا العمل على غير صورتها المألوفة في المسرح التقليدي فأغلبها لا تسند إليها أسماء أو ملامح محددة وإنما يكتفى بإسناد أرقام لها (الزبائن وعامة بغداد). فلا قيمة للشخصية باعتبارها فردا وإنما قيمتها في ما ترمز إليه. والزبائن وعامة بغداد هم في نهاية المطاف صورة من الشعب الكادح المظلوم الذي يحمل وعيا زائفا، بل إن الشخصيات التي عيّنت بأسمائها هي أيضا علامات لفئات وطبقات اجتماعية ينطبق ذلك على جابر رمز الانتهازية كما ينطبق على الخليفة والوزير ومعاونيهما الذين هم ليسوا سوى رموز للسلطة السياسية المستبدة والمنقسمة على ذاتها. وعلى غير العادة لا تتم العناية بملابس الشخصيات وأزيائهم وملامحهم الخارجية وتسند إليهم مهمات ليست في العادة من مشمولاتهم كوضع قطع الديكور أمام أعين المتفرجين. ومن مظاهر غرابة الشخصيات أيضا أن يضطلع الممثل الواحد بأكثر من دور. فالممثلان اللذان يؤديان دوري الخليفة وشقيقه عبد الله هما ذاتهما من يؤدي دوري الوزير ومعاونه عبد اللطيف ودوري ملك العجم وابنه هلاوون. ولا يكتفي المؤلف بذلك بل نجده حريصا على أن لا يتقمص الممثل دور الشخصية التي يجسدها على شاكلة ما هو مألوف في التقاليد المسرحية السابقة إن كل هذه المستويات من التغريب تهدف إلى الحيلولة دون اندماج المتفرّج في العمل المسرحي إذ تنبهه إلى أنه إزاء لعبة مسرحية لا إزاء واقع حقيقي قائم الذات. ومن شأن هذا التبعيد أن يخلق مساحة الحوار المنشودة حفزا للأذهان لا استجداء للعواطف وهو ما قد يغيّر ردود الأفعال من التعاطف إلى التسآل ومن التنفيس إلى التسييس ومن سلبية التلقي إلى عنف المشاركة. هكذا يعود المسرح إلى جذوره الأولى فضاء للتنوير ومساحة للمشاركة الواعية لمن غيبهم التاريخ طويلا... هذا هو المسرح الذي حلم به ونوس مسرح "يعبرّ عن موقف سياسي ويؤدي وظيفة سياسية... يحفز الناس على العمل أي يحثهم على أن يباشروا مهمة تغيير قدرهم الراهن... يعلم ويحفز متفرجه هو المسرح الذي لا يريح المتفرج أو ينفس عن كربته بل على العكس هو المسرح الذي يقلق ليزيد المتفرج احتقانا وفي المدى البعيد يهيئه لمباشرة تغيير القدر". الهوامش : - انظر بيانات من أجل مسرح عربي - مسرحية "مغامرة رأس المملوك جابر" مبروك المعشاوي - توفيق العرفاوي
سعد الله ونوس: مسرح القلق
ليس أشقّ على المبدع عامة من فكرة الإجماع والانتظام، اذ أنّ جوهر الفعل الابداعي يكمن في خرق المألوف وخلخلة البناء، إنه فعل انشقاق وتمرّد يطال كل الأنساق الإجتماعيّة والادبيّة لذلك ارتبط الابداع في كل الحضارا بهذا النزق وجعل المبدع المتمرّد صنوا للشياطين، يطالبه اللّعن والرّجم، وليس أدل على ذلك من الدلالة اللّغويّة للفظ الابداع في القاموس العربي فالجذر الاشتقاقي لفعل »أبدع« هو من »بدع« ومنها أيضا البديع ولكن أيضا البدعة، والبدعة ضلالة مودية بصاحبها الى النّار، وإذا كان اللّغو طال الشعر والشعراء في المدونة الفقهية القديمة والحديثة على السّواء، فإنّ للادب مَكْرُه، فبلغ به رغم التحريم والتجريم أصحابه شأوًا كبيرًا، وسعد اللّه ونوس كان عاشقا »لنكهة تمرّده« كما قال نزار قباني وبثّ هذا التمرّد ليس في مستوى المطروح من القضايا، بل في مستوى الكتابة، فونُّوس كان نزقًا حائزًا قلقًا، منشقًا على المفاهيم، متمرّدا على انماط التفكير والذهنيات الاخلاقويّة السّائدة، كاسرّا نمطيّة الكتابة وعفويّة اللغة المتحجّرة وينقل لنا سعد الله ونُّوس، ليس تجربته الابداعية ومكابدته عناء اللّغة فقط، بل قلقه كائنا عربيّا معاصرًا يحيى تغريباته الاجتماعيّة والسياسيّة والوجوديّة، فيثيرنا ويقلقنا فيما هو يمتعنا. عن هذه الحيرة والغربة، وهذه النضالية الفريدة، سنحاول فيما يلي أن نتحدث. ❊ سؤال الهويّة لقد اخترنا أن يكون المدخل لدراسة التجربة الابداعيّة لونُّوس من مسألة الهويّة، أو التاريخ أو التراث، اختر ما شئت من المصطلحات الثلاث، إلاّ أن ونوس سيكون مختلفا. إذ الهوية / التاريخ / التراث، كانت عند ونوس سؤالا مُشْرَعا على الحيرة، ولم تكن أجوبة مستقرّة. يحلو للكثير من الناس عندنا، وحتى المثقفين، الحديث عن الهويّة بإعتبارها معطى ثابتا، تمثل جوهر ماهية »الانسان العربي« وكيونونته ويتم اللّوذ بها كأنّها تميمة سحريّة كلّما وجد العربي نفسه في أتون الازمة يصطلي بنيرانها، وهي كثيرة يقول ونوس: »إذا كان تاريخنا المعاصر عبارة عن سلسلة من محاولات النهوض والهزائم، فإنّ من الطبيعي أن يظلّ سؤال الهويّة ـ حتى ولو طُرح بصورة زائفة أو مغلوطة ـ هاجسًا مُلّحّا يعاد انتاجه مع كل محاولة نهوض ومع كل هزيمة وفي محاولة النهوض نحاول أن نضفي على الهويّة فرادة تاريخيّة استثنائيّة، وفي محاولة الهزيمة تعود الشكوك لتطوّق هذه الهويّة ولتدفع بنا إلى الضياع« (1) لذلك فإنّ الهوية عند ونوس ليست معطى ثابتا ماثلا في التاريخ والماضي يستدعى عند الحاجة، بقدر ماهي صيرورة تاريخية تقدميّة تُبْنى بالنضال وبالصّراع، انّها الشرط الإنساني التاريخي، في نضال المجتمعات من أجل حياة أفضل فونُّوس تميّز في كتاباته: »منذ البدايات المبكّرة في الستينات بوعي ثاقب للبنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسيّة وبكيفية تدخلها وتأثرها المتبادل، وبتمظهرات تأثيرها في حياة المواطن، وبصوغها وتطويعها له عبر السلطات الحاكمة.فالقضية الأساسية عند ونُّوس هي علاقة المجتمع بالسلطة، وتصبح الهوية من ثمّة سؤالا نضاليا مشروعا وليست معطى. إن الإنسان العربي يعيش الاستلاب ، إن هويته هي »صمت المواطن الرهيب، وفي تماسك المجتمع، أو في تداعي البشر وأسباب الهزائم المتواترة..(إنها) مرآة لاشكال التربية الفنية والاخلاقية والثقافية التي تلقاها في حياته اليومية«(3) إن الهوية عنده هويتان، هوية القمع والاستبداد والبنى الاجتماعية والدينية الإقطاعية البائدة، وهوية تبحث لنفسها عن »متفرج آخر« يعي شرط وجوده ويعمل من أجل التحرر والحرية. وتنبت في ثنايا مسرحية »رأس المملوك جابر«، في ملفوظات زبائن المقهى كما في ملفوظات أهالي بغداد مؤشرات لغوية عديدة تكشف هذه الذهنية. الرجل الأول : عندما يجلس على العرش الخليفة، لا آحد يطلب من عامة بغداد رأيا آو نصيحة . الرجل الثاني : وعندما يسمّى الخليفة وزيره يأمرنا بطاعته. المجموعة: فنطيعه (...) الرجل الأول : يأمروننا بالبيعة المجموعة: فنبايع (...) الرجل الثاني : يأمروننا بالطاعة المجموعة: فنطيع المرأة الأولى: ذلك هو سر الأمان في هذا الزمان الرجل الثالث: تعلمناه من الجلاّدين وسياطهم ... الرجل الأول : ومن حراب الحراس ... .... المجموعة : ونحن عامة بغداد آثرنا السلامة والأمان ننزف دماءنا الليل والنهار بحثا عن لقمة العيش، ومحظوظ من تتوفر له في بغداد لقمة العيش. زبون 2 : اي والله كأن الاحوال لا راحت ولا جاءت زبون 3 : يا سيدي من زمان هذا هو طريق الأمان . يكشف ونوس عبر هذا الانتقال بين زمني الحكايتين في المسرحية تماثلا بين عامة بغداد وأهلها من جهة، والإنسان العربي الحديث، من جهة القوانين المتحكمة في البنية الاجتماعية الطبقية والسياسية القائمة على القهر، والبنى الذهنة المتحكمة في وعي »الانسان في بغداد الخلافة، أو في الحواضر العربية الآن ، إنها ذهنية التخاذل والعجز، وتتواتر في متن المسرحية شواهد عديدة من الأمثال والحكم « التي طورتها ذهنية الهزيمة »وهوية الخواء« معتبره اياها »سر الأمان« من جنس »من يتزوج أمنا نناديه عمّنا « أو »سنشتري خبزنا وننزوي مع أهلنا في بيوتنا«، »تعلم الابتعاد عن المشاكل« أو »خير ما نفعله هو أن نخفي رؤوسنا بين أكتافنا« أو »لن تصلح العالم على كل حال« هذه هي الهوية التي يروم ونُّوس تدميرها، ليؤسس هوية جديدة، هي هوية السؤال والنضال، وكان هذا الصوت هو صوت الرجل الرابع، انبث في ثنايا الحوارات بين العامة، لحثهم على ترك الخبر والدعة والتفكير في مصائرهم : ـ أنظل كالعميان لا نعرف الى أية مهاو تدفعنا الاحداث؟ ـ لا أحب عيشة الكلاب التي أعيشها ـ لن تنجو رؤوسنا أورده على سرّ الأمان الذي طورته العامة : و»حق الله، ليس هذا طريق الأمان«(5). كما كان مجسدا في الحكواتي، يظل رافضا، وهم الهوية الثابتة يلوذ بها الانسان عند نكباته. فزبائن المقهى يلجّون في طلب »حكاية الظاهر ببرس« ، التي هي عندهم رمز البطولات والانصارات ... إلا أنها عند العم مونس مجرد وهم، فالبطولة »أمر يتعلق بكم (موجها حديثة للسامعين ). البطولة هي ما يصنعه الانسان، وهويته هي ما يبنيه في رحلته من أجل الحرية والانعتاق، ففي حفلة سمريقول ونُّوس :»ليس وجودنا هو السؤال الجوهري ، إنما نوعية هذا الوجود«. إن ما تقدم من الكلام يشكل عندنا الرافعة النظرية التي عليها بنى ونُّوس »رأس المملوك جابر« إلا أن ذلك لا يخفي مؤشرات عديدة تتعلق بسياسة الفني والمضموني، على كرهنا لهذين المصطلحين، إذ أن هذا التقسيم الثنائي البياني للظاهرة الأدبية ليس إلا مقاربة ميتافيزيقية تجسد ثنائية الروح والجسد، الروح هو المعنى والجسد هو الشكل الفني الذي يصبّ فيه. ❊ التراث / التاريخ تدور الحكاية المضمنة داخل الحكاية في بغداد مركز الحكم والخلافة في عهد آخر خلفاء بني العباس. وهي زمانيا في المرحلة السابقة لتدمير المغول حاضرة الخلافة الإسلامية »...كان في قديم الزمان وسالف العصر والأوان خليفة في بغداد يدعى شعبان المنتصر بالله، وله وزير يقال له محمد العبدلي، وكان العصر كالبحر الهائج ...« لذلك يؤثث ونُّوس فضاءه المسرحي بلوازم هذه الفترة التاريخية، من جهة الشخصيات وملامحها، خليفة ووزيرا ومماليك وجواري، وأهالي بغداد يبدو وكأنهم في التيه...«. إن حكاية المملوك جابر تمثل عند ونُّوس قناعا وجب خلعه لسبر أغوار العلاقات الاجتماعية الاستبدادية، ويحلو للكثير من القراءات المتعجلة آن تسارع الى القول بأنها مسرحية أصيلة لأنها تقوم على استلهام التراث من جهة الحكاية، ومن جهة القالب الفني القائم على ثقافة الحكي والمشاهدة من خلال شخصية العمّ مونس الحكواتي. يردّ ونُّوس على هذا التصور المدرسي فيقول :» لم تخطر ببالي أبدا مسألة تأصيل المسرح، عبر استلهام حكاية من الموروث الشعبي... فهو لا يكفي لتأصيل المسرح« فهي عنده مجرد »فرصة لكي يتأمل الجمهور أمثولة يعرفها ... ويتدبر العبرة منها«(7) . ويتطرق ونُّوس أيضا الى الشكل الفني، كمسرح الظل والحكواتي، وأشكال الفرجة، ويعتقد أنها لم تكن في »رأس المملوك جابر« غير محاولات تجريبية لابداع عمل مسرحي طريف وأصيل، إذ أن الأصالة في المسرح »هو قوله وكيفية هذا القول« هو اندراجه ضمن خطّ نضالي ثوري يعمل على تدمير العلاقات الاجتماعية الآبوية والاستبدادية والأشكال الفنية الجامدة التي ضاعت حرارتها وقدرتها على التأثير، المعبرة عن هذه العلاقات. والشكل الفني في مغامرة المملوك جابر لا يقل قلقا عن سؤال الهوية. فما هي تجلياته؟ ❊ المسرح عند ونُّوس إهتم النقد المسرحي دائما بدراسة أدبية النص المسرحي، وبما يجري على الركح، ضمن مقاربات جمالية مختلفة تعنى بالديكور والإضاءة والممثلين أي بعناصر الفرجة (الاشارات الركحية ) والأبعاد الفكرية والذهنية (الحوار) ومن ذلك خصائص الكتابة »الدراماتولوجية« غير أن ونُّوس يرفض ذلك جملة وتفصيلا، بل ويعتبر ذلك »جهلا لطبيعة المسرح« (8). يولي سعد الله ونُّوس الجمهور، وما يجري في قائمة العرض الأهمية القصوى، وهذا في نظرانا من مظاهر الثراء والطرافة في تجربته، فالمدخل : »الصحيح للحديث عن المسرح: تبلوره وحل إشكالاته هو الجمهور. احاول هنا أن أقلب مناهج البحث التقليدية «(9) فالمسرح عند ونوس على خلاف النشاطات الفنية الأخرى، في جوهره حدث اجتماعي، إذ أن الشرط الرئيس للظاهرة المسرحية هو التمثيل / الجمهور المندمجان في احتفال، لا يمكن أن يكون المسرح بدونهما، على أنه يمكن إلغاء كل العناصر الأخرى: النص والمؤثرات والإضاءات، والاخراج ... لذلك لم تكن العناصر الخاصة بالمسرحية في »رأس المملوك جابر«، غير مقترحات، يمكن للمخرج اعتمادها كما يمكنه تبديلها أو حتى الاستغناء عنها »ليست هناك ساعة معينة للبدء، فالأغاني التي تذاع يمكن أن تطول فترتها أو تقصر حسب تقدير العاملين في المسرحية ... وفق الظروف التي تقدم فيها « (10) أن هذه الحرية التي يمنحها ونُّوس لمخرجي المسرحية هي التي ستسمح بالغاء المساحة الفاصلة بين الصالة والخشبة، الأمر الذي يجعل العرض قابلا للارتجال والتداخل، فتكثر التعاليق والشروح والمداخلات من الجمهور في الخطاب المسرحي، وهو أمر كثير التواتر في مغامرة المملوك جابر ، وتسمح هذه المشاركة »الجماهيرية« باغناء العرض المسرحي ليصبح احتفالا من جهة، فتعيد للظاهرة المسرحية بهاءها وحيويتها ومن ثمة تأثيرها من جهة ثانية، فالمهم هو نوعية الجمهور ودفعه الى التفكّر والتدّبر في شروط وجوده الانساني. فهو على عكس المسرح الأرسطي القائم على التطهّر ، حيث يفرغ المتفرج شحناته الوجدانية ، يخاطب العقل فهو مسرح »ينبغي أن يَشْحَنَ لا أن يُفْرٍغَ« (11) وهو بذلك حدث سياسي . أ ـ التسيس المسرح سياسة فهو :»نشأ سياسيا وما يزال، وحتى عندما يبدو غير مكترث بالسياسة : ويتحاشى الخوض في مشاكلها، فانه يعبّر عن موقف سياسي ... هو إلهاء الناس عن الاهتمام بقضاياهم المصيرية (12) . لذلك فالمسرج يعلّم المتفرج ويحفّزه هو »المسرح الذي لا يريح المتفرج أو ينفس عن كربته... بل على العكس هو المسرح الذي يقلق«، (13) لأنه يخاطب وعي الجمهور ويدفعه الى طرح الأسئلة والتفكير في البنى الاجتماعية والطبقيّة الاستبدادية التي جعلته كائنا مستلب الوجود المادي والذهني إن المسرح يهيئ المتفرج الى أن يباشر تغيير القدر. ب ـ التجريب يفرّق ونُّوس، عند تناوله لهذا المصطلح ، بين البيئة التي نشأ فيها في أوروبا والمقصود منه عند العرب. فهو ببساطة »البحث عن مسرح، أو خلق مسرح أصيل وفعّال في المناخ الاجتماعي السياسي « (14) هو تجريب فنّي وكنه لكنّه اجتماعي أيضا ينهلُ من أشكال الفرجة العربية، وكذلك من قضايا الانسان العربي. إنه »مسرح له خصوصية فكرية وفنية « فاعل في واقعه الاجتماعي . ويرفض ونُّوس المسرح السياسي ، فالقضيّة لا تمنح المسرح هويّة، إذا كان تهريجا، وكما يرفض »الفولكلور« بإعتباره رمز الأصالة . له »دورا جوهريا، وهو انجاز مهام نقدية وابداعية« . ❊ المهدي عبد الجواد أستاذ وباحث جامعي ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الهوامش: (1) ـ سعدالله ونُّوس، الاعمال الكاملة، دار الأهالي، دمشق، 1996 ، المجلّد 3 ، ص ـ .602 (2) ـ نفسه، ص ـ 779 (3) ـ فيصل درّاج ، نفسه، ص ـ .769 (4) ـ مغامرة رأس المملوك جابر، الأعمال الكاملة، دار الأداب بيروت ,2004 ص ـ .243 (5) ـ مغامرة رأس المملوك جابر، ص ص ـ 263 ,258 . (6) ـ الأعمال الكاملة، ص ـ .100 (7) ـ نفسه (8) ـ الاعمال الكاملة، ص ـ .18 (9) ـ نفسه (10) ـ رأس المملوك جابر، ص ـ .236 (11) ـ الأعمال الكاملة، ص ـ .25 (12) ـ الاعمال الكاملة، ص ـ .35 (13) ـ نفسه، ص ـ .36 (14) ـ نفسه، ص ـ .82
الفلسفة في الباكالوريا الإنساني في كثرته ومطلب الكلي في إنسانيته الحلّ الفينمنولوجي
❊ إعداد : أنور البصلي
لعلّ بعض الملاحظات السطحيّة لواقعنا الإنساني، ومدى اقترانه بالكثرة تجعلنا ننتبه إلى ما يميّز وجود الناس من تنوّع قد يعبّر عن خلاف عميق فيما بينهم من مستويات عديدة: - بيولوجيّا: اختلافات عرقية وجنسية وشكلية... - ثقافيا: أنماط عيش متعددة، وعقائد ولغات كثيرة وأعراف وتقاليد وقيم تتناقض فيما بينها بشكل صارخ . - فرديا: لكل فرد حتى وإن كان له هوية ثابتة حسب زعمه ؟ مواقف من الحياة والدين والأخلاق والسياسة والفنون، قد لا يتفق فيها مع غيره... فهذه المستويات من الكثرة قد تجعلنا في حيرة : ألا من سبيل للنظر الى هذه الكثرة على نحو يمنعنا من السقوط في العنف العنصري والجنسي؟ ان واقع الحال ، في عالمنا اليوم، هو واقع النظر من زاوية سلبية لهذه الكثرة، فالاختلاف بين الأفراد لونا أو جنسا أو عرقا، والانتماء إلى ثقافة معينة أو عرق أو لغة أو عقيدة أو طبقة أو جهة... يتحول من مؤشر على تعددية خلاقة مبدعة للإنسانية إلى مبرر لانتهاك حقوق الآخرين أو اتهامهم بالتخلف والتوحش والبدائية، وحتى بالإرهاب. يبدو أن هذه الصورة القاتمة التي تعبّر عن وضع خطير ومتأزم تعيش ـ وعاشت ـ على وقعه الإنسانية هي من بين دواعي الاهتمام الذي يدفعنا للتساؤل : ما دلالة الكثرة ومنزلتها في الواقع الإنساني ؟ ما هي التمشيات الممكنة التي تجعلنا نصوغ مفهوما للكثرة على نحو يجعلها لا تتناقـض مع الوحـدة الإنسانيـة التي تجمـع بين كـل الناس حول خصائـص كليـة مشتركة ؟ * عن الكثرة مفهوم لنفترض إمكانية أن الوعي أو العقل هو ما يمكن أن يمثل »نقطة ثبات« بعبارة ديكارت تلتقي حوله الإنسانية وتتوحّد لنقول : »العقل أعدل الأشياء توزعا بين الناس«أن هذا الافتراض الذي يجعل من الذات المفكرة يحتاج إلى من يبرهن على وجاهته ، فكيف لنا أن نجعل من الوعي الخاصية المشتركة التي تعبّر عن وحدة تجمع بين الإنسانية كلها في كثرتها؟ ألن نضطر إلى استبعاد ما هو مغاير للوعي في تعريف الوحدة الإنسانية مثل غرائزنا والعالم والآخرين ؟ تقوم أطروحة العقلانية الديكارتية على ممارسة الشك المنهجي كوسيلة يعتمدها العقل من أجل التمييز بين ما هو مشكوك فيه وما هو يقيني بحيث يكون ذلك أساسا معقولا يتيح إمكانية معرفة الذات والعالم، ويتدرج الشك من البسيط إلى المركب، فالشك في قيمة الإدراك الحسّي كشف عن خداع الحواس وقاد إلى استبعادها، أما الشك في قيمة الاستدلال العقلي كما يتجلى في أكثر العلوم معقولية الرياضيات، فيكشف أنه غير كاف للحماية من الخطأ والاستدلالات الفاسدة، وهنا يصل الشك أقصى درجات ليصبح ميتافيزيقا من خلال فرضية »الشيطان الماكر« لهذا يصل ديكارت إلى القول: »من يشك، هو يفكّر ولا يمكن أن يشك آنذاك أنه يفكر وبما أنه من التناقض أن يكون من يفكر منعدما فمن يفكر اذن هو موجود على وجه اليقين الذي لا يطاله الشك، اليقين الأول اذن هو الكوجيطو ( أنا أفكر، أنا موجود).. ما هي مكاسب هذه الأطروحة؟ إن يقين الأنا في وجوده يثبت أن الفكر هو أساس اليقين ولذا فنحن هنا نختزل إنية الإنسان في الذات المفكرة، وننفي أية غيرية غير التفكير والعقل والوعي. إن الأنا في وجوده لم يتحقق بواسطة ما هو مغاير للفكر " أنا موجود مادمت أفكّر". صفة الفكر التي هي المحددة لانيّة الكانسان سرعان ما تكشف عن إشكال يتمثل في اختلاف تجلياتها التي تشمل كل ملكات الإنسان : العقل لشك، تصور، حكم، إرادة رغبة ونفور إحساس لانطباعات حسية فهل من تناقض بين القول بأن العقل أو الوعي هو انية الإنسانية الموحدة لكثرتها وبين كثرة الأفعال المتعلقة بها؟ لعـلّ الأنـا الواعـي الديكـارتي الذي جعلنـا أمـام تصـور ثنـائـي عن الإنـسـان : جـوهـر مـفـكـر اres cogitans ب من جهة وجسم ممتد res extensa من جهة أخرى، قد جعل من الإنسان كائن العقل والحرية ممّا يعطيه مكانة محورية في الوجود (سيدا ومالكا للطبيعة) يتعبير ديكارت هو ما يدفعنا إلى البحث في إعادة الاعتبار للجسد لنقول مع »نيتشة« ان الانسان غيرية قوامها الجسد، فالعقل وفق صحاب »إرادة القوة« مجرّد وهم ? قوة صغرى وضئيلة من قوى الجسد. فأين يكمن هذا الوهم؟ يتوجه التحطيم النتشوي الى محتقري الجسد الذين زيفوا كل هذا وقلبوا الوجود الإنساني. إن الإنسان بأسره جسد والانية الإنسانية التي تحتقر الجسد، كبّلته بالأوهام، فنحن مع أطروحة نيتشة لم نعد نرى الجسد آخر أو علنيا أن تتحرر من التقويم السلبي للجسد وللغرائز ونرفض احتقاره. وفي إطار نفسه يتواصل النظر إلى الكثرة بردّها إلى وحدة هي اللاوعي مع فرويد ومدرسة التحليل النفسي، فكيف تحوّل الحديث عن الآنية الإنسانية من الذات المفكرة (مع ديكارت والعقلانية) إلى الآخر المنفتح على المجهول والذات اللاواعية؟ ظواهر عديدة في حميم الحياة النفسية لا يمكن ردها إلى أفعال إرادية واعية مثل الحلم والهفوات وزلات اللسان والكتابة أو الحالات الغامضة كالكآبة والقلق، كما أن هناك مبدعون كثر في مجالات الفنون والآداب وحتى العلم يؤكد أن ما أنتجوه يعود الفضل فيه لقوى خفية مجهولة داخلهم، فإذا كان هنري بوانطاري يقول "بالمنطق نستدل وبالحدس نبتكر" مع انه عالم رياضيات، كما أن موزار الموسيقى "من أين تأتيني تلك الأفكار وكيف ؟ لا أعلم عن ذلك شيئا ولا دخل لإرادتي فيه "، لهذا ولذاك فان الإقرار بوجود أفعال نفسية لا دخل لنا بها ولا يمكن أن نسيطر عليها، يدعونا إلى إعادة التفكير في الوعي ووضعه موضع تساؤل جدّي، فهل أن إنيّتنا أننا إنسانية تتحرك في إطار اللاوعي ؟ يكشف فرويد خلال الانتقال من النفس إلى الجهاز النفسي عن أن اختزال إنية الإنسان في الوعي ورذها الى سيادة الأنا لم يكن الا وهما. لقد أدركنا مع اكتشاف اللاوعي بأن الإنسان ليس سيدا ولا عارفا بذاته وحقيقتها، فالجهاز النفسي بمكوناته (الهو، الأنا، الآنا الأعلى) جعلنا أمام ضرورة التخلّي عن الوعي كصفة أساسية لآنية الإنسانية وكمبدأ محدد لأفعاله وكمصدر لدلالاتها. نتيجة لذلك فإن نقد نيتشة وما أحدثه من تحطيم لمقولات الخطاب الميتافيزيقي مع ما أفرزه التحليل النفسي مع فرويد، كشف أن الأنية صارت في مواضع كثيرة موضع تظنن، فالأنا مكوّن من مكونات الجهاز النفسي (إنه العنصر الأضعف فيه )كما أن الجسد المقصي من قبل العقلانية والميتافيزيق هو ما أصبح الأنا مع نيتشة : "أنا بأسري جسد ولا شيء سوى جسد" فهل أدركنا بعد ذلك كثرتنا في هذه الآنية أم علينا البحث عنها في مجال ونطاق آخر؟ * تجاوز الكثرة نحو الكلي ربما يكون لتجاوز احراجات الأطروحات العقلانية والميتافرزيقية من جهة وأقطاب الظنة (نيتشة، ماركس، فرويد) من جهة أخرى حلّ في المساهمة الفينمنولوجية مع ميرلبونتي وذلك قصد تقديم فهم أكثر شمولية ووجاهة، فالتناول الميتافيزيقي اللانية الإنسانية قد قام على فهم ثنائي تم بمقتضاه اختزال ما هبة الآنية في النفس كجوهر عاقل، كما أ، ما قدمه فلاسفة الظنة ليس الآفهما مضادا يؤصل تلك الآنية في غيرية يحددها كنتاج لآخر مستقبل عن الوعي وسيادة الأناهو الجسد في نظر نيتشة واللاوعي في موقف فرويد، فكيف تفتح الفينمنولوجيا حلاّ لتجاوز هذا المأزق؟ هل يمكن اعتبار الفينمنولوجيا كمنهج فلسفي قوامه العودة الى الأشياء ذاتها من أجل وصف كيفية ظهورها للذات في نطاق التجربة المباشرة كعلاقة عفوية بالذات والعالم والغير ? فهل تمكننا الفينمنولوجيا إذن من تحقيق مطلب الكلي الإنساني؟ لنعلن مع الفينمنولوجيا أن لا وجود لانسان باطني، الانسان موجود في العالم وفي العالم يؤصل معرفة ذاته. من هنا فإن المنهج الفينمنولوجيا يمكننا من ادراك أنالأنية الإنسانية حسبما موضوعيا وجسد خاص، فالجسد ليس عقلا عظما كما أراد صاحب إرادة القوة، كما أنه ليس مجرد موضوع مادي ونكرة كما أرادت العقلانية الديكارتية. إن الذات لا تستعمل جسدها كأداة بل ما به تستعمل بقية الأدوات، فالعيون في الابصار ليست شبيهة بالنظارات نفتش عنها عندما نفقدها، جسدي، أين أتملكه بشكل لا يقبل الانقسام وأعـرف موضـوع كـلّ عضو من أعضائي بـ »تبيانة جسدية« (un schéma corporel ) تمثلها جميعا لقد تمكنا من مغادرة الأمية الاقصائية التي تطعنا بين خيارين لا ثلاث لهما : فأمّا فهم الانية بردها الى ماهيّة تتحدد طحقيقة ميتافيزيقية تقضي في تعريفها كلّ آخر مختلف عنها عندئذ تكفل الانية في جوهرها أنا أفكر، وإما فهم الانية بنفي مركزية الذات الواعية لتصبح مجرد نتاج لآخر منفصل عنها هو الجسد أو اللاوعي. لقد أكدت الفينمنولجيا الحرية الإنسانية فالحرية تعني أن الأنا سيد أفكاره وعقله وأفعاله، كما أ،الحرية ليست وهما يخفي عن الإنسان أ،ه لعبة قوانين طبيعية بدءا بغرائز جسده التي تفكر وتحس وتتذكر دون حاجة لتدخل الأنا. ولعلّ »البنذاتية« أي تلك المساحة التي تلتقي فيها الذوات عبر تبادل الاعتراف بينها كذوات، يقول »مارلبونتي« : »الآخر أو أنا يجب علينا الاختيار، وأن نختار يعني أن نضع الواحد مضادا للآخر ولكننا نؤكد الاثنان معا«. لهذا فإنني اذ ألتقي بالآخر لن أعتبره موضوعا كما أنه إذ بي يلتقي به لن ينظر التي كموضوع نحن الاثنان إنيتين مختلفتين ومتكاملين فالغريب مثلا ليس عدوا حتى وان لم يكن صديقا.. إن موقفا كهذا يتجاوز انغلاق الذوات على نفسها معتبرا أن إدراك كلية الإنسانية في ممكنات تنفتح على التاريخ (جدير بأن يجعلنا نلتمس بعضا من الحلّ لمأزق كثرة الوهم ووهم الكثرة. إن مطلب الكلي الإنساني يتحقق من خلال جدلية الذاتي والموضوعي فليس التاريخ الإنساني مسارا حتميا قوامه علاقة سببية بين عوامل مادية وأحداث مادية دون أي دور فاعل لوعي الناس في تشكل ذلك المسار. أن الإنسان يتميز بمجارزته لوضع ما وبما يتوصل الى فعله انطلاقا مما فعله الغير به اذ ذلك هو الذي نسميه المشروع هذه المقولة لسارتر تلتقي مع الموقف الفينمنولوجي الذي يفتح عقولنا على كليتنا الإنسانية كأفق للممكنات التواصل والأنظمة الرمزية ابراهيم العميري(استاذ مبرز-تونس)
مقدمة تتعدد وجوه البحث في التجربة الإنسانية وتتنوع الى حد التباين والتناقض،ذلك ان الوجود الانساني يحمل في طياته من الغموض والالتباس ما يجعل من هذا التعدد في المقاربات امرا مشروعا بل ضروريااحيانا، لعلنا بذلك نمسك ببعض تلا وين هذا الكائن ونظفر تبعا لذلك بممكنات تمكن من رفع الحجب وكشف المعاني والدلالات الملتحفة بطيات التاريخ المختلفة والممتدة في العمق الحضاري للبشرية. ان السؤال عن الانسان من يكون؟ وكيف السبيل الى معرفته وفهمه وتأوله؟هو من الصعوبة ما يغري بالتحدي والمغامرة الفكرية، مغامرة لا تستقيم قولا منظوما ونسقا مبنيا إلا متى استقام الخطاب مؤسسا وناقدا ومشرعا.فأي خطاب يجرؤ على هذا ؟ وأي فكر يقدر الاضطلاع بهذه المسؤولية في ظل واقع تهيمن عليه سلطة الآني والزائل والجاهز؟ لا مندوحة لنا هنا غير ركوب الصعاب ومعانقة القمم ،ودونهما تنعدم كل محاولة فكرية جادة ويستحيل تعقل الإنسان تجارب وتاريخا ورؤى سرابا وتيها يبلغ حد العدم والسد يم.إن الأمر ينفتح على إمكانيتين : إما تحمل المسؤولية والعمل على بناء انساق متعددة هي بمثابة نوافذ تنكشف من خلالها كل حقيقة الإنسان او بعضها، وإما الارتماء في دروب اللامعنى وما يحمله من إقرار بالعجز واستسلام لمصير غامض لا يمكن ان يكون مرآة لإنسان حمل قدره بين يديه وقبل تحدي العدم . ولا يمكن لفكر كان العقل والسؤال والنقد والتأويل والتأسيس ديدنه إلا أن يكون ضمن الدائرة الأولى، وهذا الفكر لا يعدو أن يكون غير الفلسفة بما هي انفتاح على الوجود والموجود ، على الكينونة والكائن بلغة هيدقير أي على الانسان في انفتاحه على العالم والوجود في تعرجاتهما المفتوحة(ميرلوبونتي وهوسرل}. فاي وجهة اتخذها الفكر الفلسفي للتفكير في الانسان اليوم؟ وأية نظم قرأ من خلالها وجوه حضوره وصور فعله؟ يبدو أن القول الفلسفي حول الإنسان اليوم قد شهد تغيرا جذريا على جانب كبير من الأهمية. وقد طال هذا التطور الذي بلغ حد القطيعة أحيانا المنهج والمنزلة والآثار،إذ يمكن القول إن الفلسفة المعاصرة قد قطعت مع التقليدين القديم والكلاسيكي في تأولهما للانسان دورا وأثرا.لقد فتحت المجال لعلاقات جديدة بين الفلسفي والإنساني في علاقة بمفاهيم راهنة باشكالياتها وقضاياها وكثافة حضورها. ولعل مفهوم التواصل أفضل دليل على هذا المنعطف للفلسفة اليوم. إن الفلسفة المعاصرة وخاصة لدى فلاسفة الاختلاف أمثال دريدا،فوكو،ليوتار، دولوز،ولدى هابرماس وفلاسفة النقد الاجتماعي لمدرسة فرانكفورت ،ادرنو وهوركايمر وماركوز، وغيرهم كثير،قد تأسست ضمن مسار جديد نوعا ما.انه مسار يكشف عن إبعاد جد هامة ترتبط بالتواصل الإنساني ،شروطه والياته،وبالوسائط التي يتوخاها الإنسان لقول ذاته في تشابكها مع الآخر والعالم أملا في نحت مشترك إنساني قد يأخذ سمة الكلي أو الكوني الحاضن للمختلف والمتباين والمغاير والتاريخي. فمواصلة لنيتشه-ولكن بطرق جديدة-عمد الفلاسفة المعاصرين إلى التأسيس لشروط جديدة للقول الفلسفي حول التواصل في علاقته بالإنساني.لقد لخص فوكو هذا التوجه الجديد في الفكر الفلسفي في العبارة الشهيرة- التي صارت علامة تميز فلاسفة الاختلاف-"التفكير على نحو آخر". وكشف هؤلاء الفلاسفة بذلك عن دروب جديدة على الفيلسوف ان يغامر فيها لعله يستطيع من خلالها المسك بالإنساني في وحدته وتعدده ،وفي غيابه وكثافة حضوره. يمكن التأكيد،اليوم، أن السؤال الفلسفي قد غادر المتعالي والمطلق والكلي المجرد واستوطن الزمني والصيرورة والنسبي بحثا عن الشروط الممكنة المؤسسة لكلي وكوني إنسانيين. فالمقولات الكبرى والمجردة أصبحت عاجزة عن بلورة حقيقة الإنساني،بل إن قيمة السؤال الفلسفي عن التواصل في علاقته بالإنساني تنكشف في مدى تعينها وتحددها ضمن شروط تاريخية ضرورة، إذا أرادت أن تقول شيئا ذا معنى حول التواصل.إن التواصل بما هو خاصية العيش المشترك للإنسان قد صار لحظيا آنيا لا غير(هابرماس). إضافة إلى ذلك شهدت أسس التواصل الإنساني وشروطه ،تبعا للثورات الاتصالية والمعلوماتية ، قطعا مع التصورات المثالية والميتافيزيقية التي سجنت التواصل في مفاهيم لا تاريخية واختزالية(التواصل في اللغة لا غير).إن التفكير في التواصل الإنساني اليوم هو تفكير في مسار إنتاجه ،وهو أيضا تفكير في عناصره وفي العوامل المتحكمة فيه(بشرية وتقنية)،وهو تفكيرفي الاستراتيجيات الفاعلة في لعبة الرموز بما هي أس وعمق وشرط كل تواصل إنساني. وبما أن الرمز والإنسان لا ينفصلان فان فهم حقيقة التواصل لا يمكن أن تجد مشروعيتها إلا إذا توقفت عند خصائص الأنظمة الرمزية:مبادئها ، آليات اشتغالها وغاياتها. وتأسيسا على ذلك يقتضي فهم حقيقة الوجود الإنساني اليوم إدراك حقيقة "التواصل والأنظمة الرمزية" ضمن جدلية الفردي المتعين والكوني المنشود الوقوف عند التساؤلات التاليةتوضيحا وتشخيصا وتوثيقا: -أولا ما هي الأسس المشرعة للتساؤل الفلسفي حول التواصل في بعده الإنساني؟ كيف اهتمت الفلسفة بالتواصل مبنى ومعنى؟ -ثانيا:أي خصوصية يكتسبها الرمز والعلامة في تحديد فهم متكامل لبنية الأنظمة التواصلية التي يبدعها الإنسان؟ وهل يصح القول إن التواصل الإنساني لا يتحقق إلا بالرموز ومن خلالها؟ -ثالثا:فيم تتمثل أهم الأنظمة الرمزية؟وما مشروعية النظر للغة والدين والصورة كأنظمة رمزية تواصلية؟ هل يعود ذلك إلى كثافة حضورها التاريخي والحضاري؟أم إن الأمر يتعلق فقط باختيار لا ينفي إمكانات أخرى للتفكير في التواصل الانساني في علاقته برموز أخرى كالفن والعلم والأسطورة والايدولوجيا والقواعد الاخلاقية مثلا؟ -رابعا:كيف يمكن للرموز أن تتحول إلى سلطة قاهرة تكرس الهيمنة والتشيؤ والاغتراب ؟وما شروط التحرر من المظاهر السلبية المصاحبة للأنظمة الرمزية خاصة في إشكالها المعاصرة(الصورة وسائل الاتصال المعاصرة)؟
- I -التأسيس الفلسفي للتواصل في بعده الإنساني
يبدو أن رهان الفلسفة اليوم يقوم على الإقرار "بالحق في الاختلاف" كشرط لكل تفكير ممكن كما يؤسس له دولوز ودريدا كل بطريقته. ومن اجل هذه الغاية يدافع الفيلسوف على ضرورة الآخر كأفق لكل نظروفعل.إن الآخر جزء لا يتجزأ من الأنا بل هو الشرط الممكن لتعينها وتطورها(هيجل، سارتر،ريكور).هكذا يمكن القول ان راهنية الفلسفة محكومة بمدى نجاحها في وضع مبادئ توافق اشكال الوعي(هوسرل،كانط) أين"تكون المشاركة في عالم متامثل في ذاته" ا الحقل الذي يضمن بناء الذات لذاتها.إن الفلسفة نفسها تعرف كنظام خطاب مخصوص ينشد تواصلا ما.يكفي هنا العودة الى تاريخ الفلسفة لنقف على الاهمية التي اكتساها التواصل في المتن الفلسفي.ولنا في مؤلف ارسطو "الشعر" وتاثيراته في الفلسفة الوسيطة العربية(ابن حزم،الفارابي ،الكندي، ابن رشد وغيرهم كثير) وفي عصر النهضة الاوروبي وخاصة من خلال مفهوم "التطهير" خير دليل.يكتب جون هاردي في هذا الصدد:" لا يوجد في الادب اليوناني مقطع لمفكر اشتر من الكلمات العشر من كتاب "الشعر"(1449b,27-28) المتعلقة بمفهوم التطهير:لم ينقطع النقاش،منذ عصر النهضة،حول"تطهير الانفعالات" ". من جهته اخرى أولى كانط التواصل أهمية قصوى وبين في مؤلفه الهام"نقد ملكة الحكم" ان الحكم الجمالي هو الذي يمكن لوحده، وعلى عكس شكلي التواصل المعرفي والاخلاقي اللذان يكونان غير مباشرين،من تحقيق تواصل بين الذوات يقوم على قيمة جوهرية ستكون موضوع بلورة أوضح وأعمق في نظرية الفعل التواصلي لدى هابرماس.واذا كان كانط يؤسس للتواصل الانساني بناء على تمثل مهم للكلي الذي يتحقق معرفيا اواخلاقيا اوجماليا فانه يؤكد ان التواصل الذي يتحقق في الحكم الذوقي هو تواصل يكشف عن طبيعة مميزة للكلي في فلسفة الجمال. ان التواصل الذي يقيمه الحكم الذوقي هو أكثر أنواع التواصل الكاشفة لحقيقة الانسان "لانه تواصل يتم من دون مفاهيم وهو التواصل الإنساني" .يؤكد فيلوننكو انه تواصل مباشر وهو تبعا لذلك ارقي انواع التواصل أو هو التواصل الذي يحقق وحدة بين انواع التواصل غير المباشرة:المعرفية والعملية.ومكن هذا فيلوننكو من الحديث عن ثلاث انواع من التواصل في فلسفة كانط وهي على التوالي: -التواصل الاول هو تواصل موضوعي يتم بواسطة الشيء، وهو تواصل غير مباشر نجده مؤسسا في"نقد العقل المحض". -الشكل الثاني من التواصل هو المتحقق بواسطة حريتنا، أي القانون الاخلاقي،لكن نجد هنا ايضا ان هذا النوع من التواصل يتم بطريقة غير مباشرة،بواسطة"كونية القانون" الاخلاقي. - اما النوع الثالث من التواصل فهو ذلك الذي نقف عليه في الحكم الذوقي:انه التواصل الذي يمكن الانسان من الالتقاء بالآخر مباشرة ومن دون مفهوم . ان ما اكد عليه كانط في فلسفته حول القيمة الفلسفية للتواصل الانساني في مختلف اشكاله هو الذي استرعى انتباه الفلسفة المعاصرة،وخاصة الانثروبولوجيا الثقافية(كاسيرر) التي اهتمت بمنزلة الوسائط الرمزية في الوجود الانساني وبدورها في تحديد شروط "العيش المشترك" . ان التوافق والتفاهم والتبادل والتحاوروالتثاقف لا يمكن ان تجد شروط تحققها ما لم تؤسس مختلف هذه الوسائط لقطب الرحى والشرط الضروري واللازم لكل تفكير في الانسان ونعني بذلك أسس التواصل ،شروطه ، آليات نجاحه ووسائل تحققه.فماذا نعني بالتواصل تحديدا؟ يبرز اتيان سوريو في معجمه"المصطلحات الجمالية" ان التواصل في مفهومه العام يدل على"الانفتاح" وهو يشير الى"الممر الذي بواسطته يمكن للافراد اوللاشياء ان تنتقل".وهو يعبر عن عملية "التوقع والتنظيم العملي لكل علاقة ممكنة"(كالابواب والاروقة في فن المعمار).ويبين سوريو أن مفهوم التواصل يتعلق من جهة أخرى بوسائل الاتصال(النظرية العامة للاتصالات)... كما يحيل التواصل على معان أخرى كثيرة ، فهو يدل،مثلا،في الفن على سهولة التبليغ والتوصيل ،"فهو يتعلق بمدى وحقيقة التواصل من جهة الوجدان،ويريد الفنان في هذا الإطار ايصال معلومة خاصة الى المتلقي".وهو"قد يحقق نجاحا هاما وقد يفشل". وهذا من شانه ان يطرح اشكالية العلاقة بين الفنان وجمهوره التي تحيلنا بدورها الى "مشكل التواصل". نجد في هذا المجال مفهوما قريبا من مفهوم التواصل وهو يشير الى نوع معين من العلاقة الناجحة بين الفنان وجمهوره وهي"وحدة الشعور"او"التشارك في الاراء والافكار"(communion).ان وحدة الشعور هذه تدل،كما يبين سوريو،على النجاح الاقصى لعملية التواصل،أي" تحقيق الوحدة الكاملة بين الافكار والاحاسيس وهي تدل على نوع من الوحدة الفكرية".لذلك يرى ا.سوريوان التواصل الذي يرنو الى هذه الوحدة الشعورية لا يبلغ بالضرورة مرحلة الاكتمال لكنه يتقدم نحوها.ان التواصل بهذا الشكل يرتكز أساسا على عناصر محسوسة تقيم علاقة مباشرة وحيوية بين الفنان وجمهوره.فقد يفشل موسيقي أو ممثل في تحقيق رغبته في التأثير بطريقة ما على الجمهور لكن وغم ذلك يؤكد ا.سوريو ان فعل التواصل يتحقق:يوجد مثلا تواصل بين الشاعر وقرائه في اللحظة التي تؤثر فيها حيويا قراءة قصيدة له في الاتجاه الذي يرغب فيه الشاعر ،وهذا من دون حاجة لان تكون هذه الاحساسات قد وقعت بالضرورة لشخصية الشاعر. في هذه الحالة يمكن الحديث عن المشاركة(participation).ومن جهة اخرى يلاحظ ا.سوريو" ان الكثافة التواصلية للاثر الفني ليست بالضرورة في علاقة جدلية مع قيمته الجمالية". ان النظر الى فلسفة كانط من جهة التواصل لا يؤدي ضرورة الى إبعاد مختلف القراءات الأخرى من حيث الوجاهة والأهمية ،بل إن الغاية منه كما يبرز ذلك ،مثلا، هانس روباريوس هوالانتباه الى آفاق اكثر راهنية في تأول الحقيقة الانسانية.اذ يبين انه اذا أردنا حقا اليوم ان نقف ضد منطق"التصنيع الثقافي" كما ابرزه ادرنو فان العودة الى مفهوم التواصل للنظر من خلاله للتجربة الانسانية بمختلف إبعادها هو أمر ضروري وذلك من اجل التأسيس لبينذاتية مفتوحة تقوم على التعرف والتقبل والتواصل وكل هذا من اجل الوقوف عند الوظيفة الاجتماعية لاشكال التواصل المختلفة.يقول في مؤلفه"من اجل استتيقا التلقي" ،معتمدا على نموذج الفن:"ان التجربة الجمالية تبقى منقوصة من وظيفتها الاجتماعية ...اذا لم تفتح على تجربة الاخر ،التي تحقق،منذ القدم، في التجربة الفنية في مستوى التعرف الجمالي التلقائي." ان القيمة الفلسفية للتواصل والوسائط المعتمدة في ذلك قد مثلت حقلا للتساؤل والتأسيس التظري في الفلسفة المعاصرة.يكفي العودة لاعمال هابرماس وخاصة مؤلفه "نظرية الفعل التواصلي"للوقوف على ذلك.لقد بنى هابرماس مشروعه الفلسفي على "نظرية الفعل التواصلي".يكشف مارك جمناز"ان تصورات هابرماس تلعب دورا هاما في هذا الوعي بعالم التواصل خصوصا لدى الفلاسفة المعاصرين". فماذا يعني هذا فلسفيا؟ ما يمكن استخلاصه من كل ما تقدم هو اولا ان التفكير الفلسفي حين يهتم بالتواصل خصوصا والانظمة الرمزية عامة انما هو يهتم بشروط تحققه كفكر يتمحور حول الانسان وحول صور حضوره في العالم. -ان لتفلسف الذي لا يراهن على إبداع شروط جديدة لقول الإنساني لا يمكنه أن يجد مشروعية له في واقع الانسان اليوم ذلك أن سجن التفلسف في الموضوعات الكلاسيكية على اهميتها هو بمثابة الاقرار بالعجز امام واقع انساني ميزته التبدل والتطور والتعدد والتداخل بين ابعاد متنوعة ولا مناص للفيلسوف من تحمل مسؤوليته الجسيمة في الاضطلاع بالانساني.فليس له إلا أن يواجه الثورة الاعلامية والاتصالية الذي لا مثيل لها ولاخيار له إلا العمل على فهم ونقد ما تشهده الانسانية اليوم من ظواهر جديدة غيرت جذريا شروط لقاء الانسان بالانسان وثقافة باخرى وحضارة بالحضارات الاخرى.ان العولمة وعلوم الاعلامية وحضارة الصورة بما تعنيه من تجاوز للأشكال التقليدية المكونة لعالم الثقافة وهيمنة عالم الرموز على كل مجالات المعيش الانساني لا يمكن إلا أن ترج الفيلسوف في صورته التقليدية(ذلك الحكيم المنعزل عن هموم الانسان اليومية والسابح في فضاء المثل ) ولا يمكن الا أن تؤرق الفيلسوف الذي لا يكون كذلك الا بانخراطه في "احوال المعيش" للانسان اليوم(ابن خلدون) لا تكريسا او تبريرا(هيجل) وانما شكا ونقدا وتشخيصا وتحطيما(دريدا)،وكل ذلك من اجل تحقيق غايات الانسانية القصوى(كانط) كما تتجلى في الحق و المعنى والعدل والحرية . ثالثا ان التساؤل الفلسفي حين يجعل من"دراسة العلامات" حقل نشاطه فانه بذلك لا يتخلى عن دوره التقليدي بل هو يكسبه راهنية أعمق ،اذ يمكن النظر الى تاريخ الفلسفة من زاوية علاقته بالعلامة والرمز ومن جهة تأسيسه للتواصل .فهذاامبيرتو ايكو يقدم تاريخا للفلسفة بناء على نظرية العلامة او السيميولوجيا.يكتب امبيرتو ايكو:"فالسيميولوجيا في الواقع تعود الى وقت بعيد،ربما الى الف عام او الفين.لا يتعلق الامر طبعا مع الروقيين بسيميولوجيا وسائل الاتصال ، رغم ان السفسطائيين لم يكونوا مغفلين الى هذا الحد بخصوص هذه المسالة.ان القواعد الاساسية لدراسة العلامات كانت موجودة سلفا." ويعمد امبيرتو ايكو الى تقديم تحقيبا لتاريخ الفاسفة بناء على طبيعة التصور الخاص بالرمز والعلامة والتواصل.ويكشف ان الاهتمام بالعلامة لم ينقطع منذ نشاة الفلسفة الى حدود الفلسفة المعاصرة ويذكرنا بدراسة هوسرل بعنوان"سيمياء واعمال رسل وفتغنشتين وكاسيرر.ويذهب الى حد اعتبار "السيمياء"جزء من الفلسفة.يكتب في هذا المجال:"عندما أقول :هناك سيمياء عامة تمثل فرعا من فروع الفلسفة ،فانني اعني ان الفلسفة منذ ان اعتبر ارسطو اللغة كاساس لمتافيزيقا الكائن، وعندما يقول ان الكينونة هي مانقوله بطرقة مختلفة،فانه يؤسس مفهوم الكينونة على اللغة." ان التفكير الفلسفي حين ينخرط في البحث عن الانساني ضمن افق الزوج المفهومي وحدة/ كثرة وحين يجعل من التواصل والانظمة الرمزية مجاله لابراز مشروعيته كخطاب لا ينفصل عن العقل في انفتاحه الدائم على الصيرورة ونشدانه اللامحدود للثبات لاينفصل عن لحظة الميلاد كما تعينت مع سقراط وتجسدت مع افلاطون(فمحاورة السفسطائي لم تكن غير صورة للفيلسوف الذي وان كان يطلب الواحد والجوهر فانه لم ينقطع عن مواجهة العرضي والمتغيروالمتعدد في تنوع اشكاله)بل هو يتدبرنفس الزوج ولكن في اطارراهنية الاشكاليات التي تحكم اليوم الوجود الانساني بما هي اشكاليات لا يمكنها ان تتجنب مشكل التواصل ومشكل الرموز في كثافتها اليوم.يكفي التذكير بما يقوله افلوطين في تاسوعاته :"ان الواحد سابق على كل الكائنات الاخرى،ما هو اذن؟ انه قوة الكل,اذا لم يكن،لا شيء يكون،لا الكائنات، لا العقل، لا الحياة الاولى ولا إي حياة اخرى.انه فوق الحياة وهو سببها.إن نشاط الحياة التي تمثل كل الكائن ليست الاولى، هي نابعة من الواحد وكأنها نابعة من عين ماء.تصوروا عين ما لا أصل لها البتة." -II-في العلامة والرمز: يمكن القول إن إبراز شروط السؤال الفلسفي ومشروعيته لا ينفصل اليوم عن التساؤل حول مختلف العلوم التي نشأت في ارتباط باشكالية اللغة منشأ وبنية و تداولا ."لقد كان اعتماد العلوم الانسانية منذ حوالي منتصف القرن العشرين على الكشوفات الالسنية، وبخاصة اعتماد النموذج اللغوي في الجملة مقياسا لكشف بنية تلك العلوم ووصفها ثورة اتخذت سمة الموضوعية..." لذاك ليس غريبا ان يتم الحديث عن المنعرج اللغوي لبعض التيارات الفلسفية المعاصرة، وليس غريبا ان يتأسس النظر للإنساني اليوم بناء على الكشوفات التي تقدمها السيميائية او علم العلامة وان تؤول اشكالية الكلي ضمن أفق العلامة والرمز لا داخل اللغة فحسب بل داخل كل الأنظمة الرمزية المكونة للثقافة الانسانية(اسطورة،دين ، لغة،علم،فن،صورة،سينما،وسائل الاتصال الراهنة...).فماذا نعني بكل من العلامة والرمز؟ وهل توجد إمكانات للتقاطع والتلازم بين المعنيين؟ وهل نقدر على كشف حقيقة التواصل الانساني في وحدته وتنوعه من خلال العلامات والرموز؟ 1في التعريف: ا-العلامة:يقتضي الوقوف عند معاني وجلالات العلامة التمييز بين التأريخ للعلامة وبين تحول الدراسات المتعلقة بها الى علم.اما البعد الأول فهو قديم قدم المنطق واللغة،في حين أن تخصيص علم لها وهو علم العلامة اوالسيميائية او السيميولوجيا فهوقد ظهر مع فردينان دي سوسير(1857-1913)ومع تشارلزساندرز بيرس(1838-1914). يعرف دي سوسير العلامة بانها المتكون من الدال والمدلول.ويبين ان العلاقة بين الدال والمدلول هي علاقة ضرورية مثل علاقة وجهي الورقة اوالعملة.فالعلامة ثنائية الأبعاد.أما العلامة اللغوية فيحددها باعتبارها العلاقة الرابطة بين الصورة الصوتية والتمثل الذهني،وبهذا فان العلامة اللغوية مجردة وليس لها علاقة مباشرة بالاشياء.ذلك ان المدلول باعتباره صورة ذهنية مكونة للعلامة وهو ليس عنصرا من اشياء الواقع.ويرى البعض ان العرب انتبهوا الى هذا الجانب الذهني او التصوري للغة.يقول يحيى بن حمزة:"الحقيقة في وضع الالفاظ هو للدلالة على المعاني الذهنية دون الموجودات الخارجية.والبرهان على ما قلناه هو انا اذا رأينا شبحا من بعيد وظنناه حجرا،سميناه بهذا الاسم،فإذا دنونا منه وظننا كونه شجرا،فانا نسميه كذلك،فإذا ازداد التحقيق بكونه طائرا،سميناه بذلك،فإذا حصل التحقيق بكونه رجلا سميناه به.فلا تزال الألقاب تختلف عليه باعتبار ما يفهم منه من الصورالذهنية.فدل ذلك على أن إطلاق الألفاظ إنما يكون باعتبار ما يحصل في الذهن.ولهذا فانه يختلف باختلافه."(كتاب الطراز،الجزء الاول،ص36). يمكن العودة الى المناطقة العرب للوقوف عند اهمية ما انجزوه في هذا المجال .لقد درسوا العلامة "بوجه اعم مما حدده دي سوسير للعلامة ،وذلك دون تخصيص لطبيعة المدلول،كما انهم يدخلون الشخص المدرك في اعتبارهم..فعندهم إن الدلالة هي:"كون الشيء بحالة،يلزم من العلم به العلم بشيء آخر."(التحتاني ،شرح الشمسية،ج1،ص174.). تتأسس الدلالة لديهم على "علاقة مزدوجة:من جهة بين الدال والمدلول،ومن جهة أخرى بين هذين معا وبين المدرك." من جهة أخرى ان فهم حقيقة العلامة يتطلب إبراز احد أهم خصائصها كما تبلورفي العلامية و اللسانيات الحديثة وتتمثل في أن العلامة"تنطوي على القصد إذ يقتضي دستورها الدلالي توفر النية في إبلاغ ما تفيده،وفي هذا تتميز عن القرينة لان القرينة تشمل كل شيء يدرك مباشرة فيفيد دلالة تتعلق بغيره كدلالة السحاب على المطر...إما العلامة فإنما تدل بوضع هو اصطلاح متفق عليه تصريحا أو مسلم به ضمنيا،ولا يكون أمر المتلقي للعلامة إلا قاطعا فإما هو عالم بالاصطلاح فمستفيد اذن بفحواه وإما هو جاهل فلا ينفعه اجتهاد فيها ولا تأويل بشأنها." إن تحديد مراتب الدلالة وعناصرها أمر أساسي ينبغي ايلاؤه كل عناية.لذلك ارتأينا أن نعود الى نظريات الفلاسفة المعاصرين الذين اصبحت معهم العلامة موضوعا فلسفيا لا يقل اهميةعن أي موضوع فلسفي آخر ،بل إن فهم الخطاب الفلسفي لن يتحقق عندهم الا اذا تحددت معالم التصورات التي تؤسس للعلامة وللعلم الذي يشتغل عليها أي العلامية.فأي تعريفات استقرت عليها العلامة لدى الفلاسفة المعاصرين؟واي افق تفتحه للقول الفلسفي حول الانساني في فرديته وفي كونيته؟ ان السؤال عن العلامة لا ينفصل في الواقع عن مفهوم الرمز،اذ ان العلامة والرمز متلازمان تلازم الوجه والقفاء لذلك فان تدبر أمر العلامة ينفتح ضرورة على الرمز والتفكير في الرمز لا يستقيم قولا متعقلا الا إذا تشابك مع العلامة.وتبعا لذلك سيتبلورحد الرمز كلما توضحت دلالات العلامة. واذا كان الرمز يتميز بتعدد دلالاته فهو مشتق من الكلمة اليونانيةsymbolonالمشتقة من الفعل symballein وهو يفيد"وصل،جمع،قرن".فالرمز يدل على "الربط والوحدة" وهو امر يتحقق في مختلف الثقافات.اما من "حيث الدلالة فان الرمز اغتنى عبر التاريخ بمعان عديدة،منها المعنى التماثلي،فالميزان على سبيل المثال هو رمز للعدالة،وهنالك المعنى السيميائي وذلك في استعمالنا للرمز في مجال المنطق والرياضيات،كما ان هنالك مستوى اخر للرمز هو المستوى البلاغي المجازي الذي يستدعي التاويل" . ولكن مهما كان الامر فان الرمز يتحدد في كونه "ما يسمح بتجسيد اوتجريد وقائع " وفي هذا الاطار يمكن العودة الى تصورات بعض الفلاسفة الذين اثروا حقل البحث في العلامة والرمز ووقفوا عند الابعاد الفلسفية للتفكير فيهما.ويعد ارنست كاسيرر احد اهم من جعل من فلسفته بحثا ينشد في كليته الى التساؤل عن البعد الرمزي للانسان.وهو الامر الذي دفعه الى بيان اهمية النظر الى الشروط المتحكمة في تكون العلامة والرمز.وكشف ان الانسان يتميز عن بقية "الانواع الحيوانية"التي تشترك كلها في امتلاك "جهاز مستقبل"اواستقبال و"جهاز مؤثر" اوتاثير،في كونه يمتلك"حلقة ثالثة هي التي يمكن ان نسميها"الجهاز الرمزي". وقد اكد كاسيرر على اهمية دراسة البعد الرمزي الانسان دراسة تاريخية تقف عند شروط تكون الرمز والعلامة وعند تطور هما من الاسطورة الى الدين والفن والعلم.وبين في هذا الشان ان مفهوم الرمز مر بثلاث مستويات ،وهي مرحلة المحاكاة البسيطة التي يكون فيها الرمز مجرد اعادة انتاج للاشياء،ثم مرحلة المماثلة حيث يقوم الرمز بتمثيل خواص الاشياء،واخيرا مرحلة الرمزية المجردة . لقد أصبح التمثل الرمزي أساس التفكيرالانساني لدى كاسيرر ولذلك فان التمثل المفهومي ليس الا بعدا من ابعاد الخلق الرمزي،وهو لذلك المحدد للوعي الانساني على الحقيقة.كما يتم فهم اليات نشاط كل من العلم والفن والاسطورة واللغة والدين والتاريخ بناء على البعد الرمزي وفي اطاره.ان الانسان يخلق العالم بخلقه للرموز.ان الرموز ليست محاكاة اونقلا للواقع بل هي المكونة والمشكلة لهذا الواقع،فالواقع هو ما تعنيه الرموز ،ان ما تقوله الرموز هوالواقع ولا معنى للواقع خارجها. إن كاسيرر حين يدرس الرمز والعلامة فانه يعمل من خلال ذلك على تأكيد الفكرة التالية:وهي أن الانسان قد خلق الرموز في تفاعل مع مختلف التصورات التاريخية للواقع التي تعبر عن تطور اشكال الوعي الانساني عبر التاريخ.لهذا يؤكد كاسيررعلى وجود ثلاث نظم رمزية تعبر عن ثلاث وظائف مختلفة: -الوظيفة التعبيرية في هذا المستوى ليس هناك فرقا بين الرموز والاشياء التي ترمز اليها في الوعي البشري ،والعالم الذي تخلقه هذه الرموز هو عالم الاسطورة والدين. - الوظيفة الحدسية التي تقوم بتمثيل عالم الحياة اليومية وإشكال الادراك المباشر المحدد لحياة الانسان المكرورة ويقوم الرمز هنا بتمثيل خواص الاشياء الثابتة حدسيا. - الوظيفة المفهومية التي تخلق العالم الموضوعي للعلوم ،وتكون فيه الرموز تعبيرا عن نسق من العلاقات لا غير.هذا وقد كشف كاسيرر عن هذه النماذج الثلاثة للواقع التي تقابلها ثلاث نظم رمزية في مؤلفه الكبير"فلسفة الاشكال الرمزية".اما في مؤلفة "بحث في الانسان" فقد اضاف الى تلك النظم الثلاثة الفن الذي يعرض لنا معرفة بالاشكال المحضة والتاريخ الذي يوفر لنا معرفة بالاحداث الماضية. تجدر الملاحظة هنا ان المرحلة الثالثة هي المرحلة الرمزية المجردة التي تتضح فيها قدرة الانسان الكاملة على خلق الرموز المحضة ويطلق عليها مرحلة الدلالة..يقول ارنست كاسيرر عن هذه المرحلة التي تكون حقلا مستقلا بذاته:"وما دام الانسان قد خرج من العالم المادي فانه يعيش في عالم رمزي،وما اللغة والاسطورة والفن والدين الا اجزاء من هذا العالم،فهذه هي الخطوط المتنوعة التي تحاك منها الشبكة الرمزية،اعني النسيج المعقد للتجارب الانسانية." إن ما أكد عليه كاسيرر هنا يمثل في الحقيقة حقل بحث لكثير من الفلاسفة المعاصرين نذكر منهم بالخصوص:ريكور،هوسرل ،فوكووفلاسفة التحليل مثل فتجنشتين،وهو حقل يحتاج الى مزيد من التعمق والدراسات اثراء للمكتبة العربية ،وهو ما سنهتم به في القسم الثاني من هذه الدراسة.
الأستاذ: زكي العبيدي
التدريب على كتابة المقال الفلسفي. [خاص بالسنة رابعة شعبة الآداب] المحور المستهدف: الدّولة: السّيادة والمواطنة.
الموضوع: هل ينبغي أن نخشى الدّولة اليوم أم نخشى إنعدامها؟
❊ أولا: العمل التّحضيري I ـ الدلالات المباشرة للموضوع 1 ـ المبحث: في جدوى الدولة اليوم 2 ـ المفاهيم: ـ هل: أداة استفهام تحيل إلى مفارقة تتضمن الإمكان وعدم الإمكان. ـ ينبغي: يلزم أو يجب. ـ نخشى: الخشية هي الخوف من الشيء. ـ الدّولة: هي من الناحية الإصطلاحيّة تعني في اللّسان العربي التداول بمعنى التغير والتناوب أمّا في اللاّتينية تعني كلمة (ETAT) الثبات والنظام الذي يشارك فيه المواطن في إدارة الشؤون السياسية للمجتمع المدني. وبهذا تكون الدّولة عبارة على جمع من الناس يعيشون في رقعة جغرافية تحكمهم سلطة سياسية ذات سيادة قانونيّة تمارسها على رعاياها من أجل حفظ أمنهم واستقلالهم وترعى مصالحهم. ـ انعدامها: المقصود به زوال الدّولة وغيابها. ـ اليوم: مفهوم رئيسي في الموضوع، لأنّه يحيل إلى إطار تاريخي معاصر (راهن). 3 ـ طبيعة الموضوع: موضوع في صيغة مفارقة قصد تجاوز تناقض ظاهري. II ـ ضمنيات الموضوع: 1) مراحل البرهنة: ❊ دواعي التظنّن على الدّولة أ ـ الأسباب الحضارية الدّاعية إلى مراجعة الدّولة وأبعادها الثقافيّة، الإيتيقيّة، القانونيّة. ب ـ الأفق التاريخية الإقتصاديّة وحتميّة زوالها. ❊ الخشية من زوال الدّولة. أ ـ ارتباط مفهوم الدّولة بالأمّة والهوية والتاريخ. ب ـ الدّولة بين فخّ العولمة ومطلب الكونيّة. 2) الإشكاليّة: إذا كانت الدّولة أساسًا لتنظيم الوجود الإجتماعي للإنسانيّة، فهل هي ضرورة ملازمة للمجتمع المدني اليوم أم أن غيابها يجسّم رهان تحرّر الإنسانيّة من سلطانها؟ ما دواعي التظنن على الدّولة؟ هل تعيش اليوم الدّولة أزمة فعليّة أم مفتعلة؟ وإلى أي مدى يقوم مجتمع مدني بمعزل عن الدّولة؟ هل أنّ التفكير في إزاحة الدّولة تجسيم لرهان الكونيّة والمواطنة العالمية أم هو فخّ تنصبه العولمة لطمس الهوية وتكريس النمطيّة الثقافيّة والهيمنة على الشعوب؟ 3 ـ المرجعيات المحتملة من الموضوع: هابرماس / كانط / ماركس وانڤلس حنا أرنت / سميرأمين / كاستيلاس ❊ ثانيا الإنجاز: يتضمّن المقدّمة بشقيها التمهيدي والإشكالي والجوهر والنقاش والخاتمة [ملاحظة: أرجئت المقدّمة الى آخر العمل حتى تصاغ بعد تمثل كامل للموضوع] مقدّمة الجوهر وهي مرحلة تمهيدية تمكّن من الولوج في الموضوع يمكن الإنطلاق من التحديد المفهومي للدّولة كتعريف أولي ثمّ الولوج في الموضوع عبر تناول التّحديد الوظيفي للمفهوم والذي يحيل إلى سجل تظنني نراجع من خلاله جدوى الدّولة اليوم (راجع مفهوم الدولة المذكور في العمل التحضيري). لحظة أولى: ما دواعي التّظنّن على الدّولة؟ وماهي الأسباب الحضارية الدّاعية لذلك؟ أ ـ الوضع السّياسي الرّاهن وما يرافقه من عنف وحروب وأزمات اقتصادية. ب ـ تلازم الإستعمار وسعي الإمبريالية إلى التوسع والسيطرة وذلك ما عبر عنه سمير أمين بقوله »الإستعمار مرحلة دائمة للرّأسماليّة« مما يؤكد التناقض القائم بين طببيعة الرّأسمالية التي ليس لها وطن والدّولة كرمز للمواطنة. ج ـ الإستعداد للعنف عبر التّسابق على الأسلحة وتعزيز الترسانة النوويّة. كل ذلك يدفع الى مراجع الدّولة والتساؤل عن جدوى الحلّ »الكانطي« المقدّم في »نحو سلام دائم« أي أنّ التناقضات القائمة اليوم تعود بالأساس إلى قيام الدّولة، وبصيغة أخرى يكون غياب الدّولة شرطا لتجاوز عنف الإنسان على الإنسان. لحظة ثانية: ماهي الأسس الإيتيقية والحقوقية لتجاوز نظام الدّولة؟ يدعو »هابرماس« إلى مراجعة المشروع الكانطي الذي لم يشهد حروب عالميّة، ولا الإرهاب بصيغته المعاصرة وبذلك كان الصّراع قبل قرنين قائما بين دول محدودة لذا كان المشروع »الكانطي« يعتبر السّلم حفاظا على »الدّولة الجمهورية« التي هي فضاء الدّيمقراطية، وأنّ الحديث عن إنسانيّة كونية يستوجب قيام نظام »كوسموسياسي« (cosmopolitique)، بحيث يقوم دستور بين حكومات وليس بين أفراد ولهذا بين كانط أن »الشعوب تؤلف عددًا من الدّول المختلفة من غير أن تمتزج في دولة واحدة« لذلك نجده يعنون البند النهائي الثاني بالصيغة التاليّة »يتأسس الحق العام على فيدرالية دول حرّة« لذلك يؤكد »هابرماس« أن »كانط« لم يرتق الى فكرة المواطنة العالمية (cosmopolite) ، وأن ما قدّمه »كانط« حول السّلام الدّائم كان مرتبطا بالوثوق في »الفضاء العمومي« وقدرة الفيلسوف على إقناع رجال السّياسة، ولكن ذلك لا معنى له اليوم بسبب تدخل وسائل الإعلام في توجيه الخطاب وتوظيفه بطرق مختلفة تحمل أوجه المغالطة بأشكال عدّة. فلا يمكن أن يزول العنف بتقديم خطاب اخلاقي يدعو الناس إلى التفاهم ووضع ضواط قانونية لإدارة الدّولة الفيدرالية المتكونة من دول. ولا غرابة أن نجد إحدى الصحف الأمريكية تعنون مقالا بالصيغة التاليّة: »في السابق كان الحكام يقتلون الفلاسفة، واليوم لا يقتلونهم لأنّه لم يعد هنالك جدوى من قتل الموتى«. فدور الفيلسوف لم يعد فاعلا كما كان في عصر التنوير وأن التغيير السّياسي يستوجب توفر آليات فعليه تمكن من تحقيق الغرض المنشود وهو السّلام، وذلك بقيام مواطنة عالميّة تحقق اتحاد الأفراد وقيام »الحق الدولي الذي يستطيع كل شخص المطالبة به، بماهو كائن انساني« بعبارة »هابرماس«، راجع مقال لأم الزين بن شيخة بعنوان »كانط في فضاء هابرماس« على الأنترنات (مدونات مكتوب). إن هذا الحق يجرّر الفرد من هيمنة سلطة الدّولة المطلقة فيصبح نظام الدّولة خاضعا لهيئات قانونيّة عالمية. فيصير بذلك المواطن العالمي عنوانا لتحرّر الإنسان بالمعنى الكلّي، ولكن كيف يغدو سلطان الدّولة؟ يقول »هابرماس«: »تتحوّل الدّولة الخاصة إلى مجرّد كفاءة بعض الأشخاص المعيّنين الذين لهم دور مزدوج يتمثل في الوظيفة الدّولية والوظيفة الوطنيّة« ذلك هو الحلّ الأمثل لسلم دائمة. ولكن نقد »هابرماس« لفيدراليّة »كانط« يكشف عن حدود الخطاب الأخلاقي في تغيير الواقع السّياسي. ويوجد »هابرماس« الحلول الإتيقيّة التي تمكّن من تجاوز حالة العنف مؤكدًا أن مشروع السّلام الدّائم يتزامن بالضرورة مع صدّ العقل الأداتي الذي يتعلق على ذاته ويكرس سيادة نموذج نسقي تكنوقراطي كلياني ويكرس الإستبداد خدمة للدّولة الأمّة ومصالحها، في غياب كل أفق ايتيقي، ودون اعتبار للتواصل، ومقابل ذلك يدعو »هابرماس« الى عقل تواصلي Raison) (comminicationelle يمكن من الإنفتاح على الإختلاف والتنوع وقبول الحوار في غياب حسابات الإستراتيجيا التي هي ضرورة من ضرورات الدّولة »في الخطاب غير الإكراهي تهيمن قوّة الحجّة الأفضل«. إن اعتماد إيتيقا الحوار يحد بالضرورة من دور الإعلام السّياسي الموجه الذي يسوّق »للغباء المبرمج« بعبارة »تيودور أدرنو« ويفضح المتاجرة بالقيم الذي غالبا ما يسيطر على خطاب الدولة. إن زوال الدّولة يمثّل رهان التحرّر من العنف والتناقضات التي تتضرّر منها الشعوب وليس الحكام، وربما ذلك ما جعل »ماركس« يقول »الجنود هم عمّال في معاطف عسكرية«. لحظة ثانية: ممّا يؤكد أن التناقض بين الدّول لا يخدم سوى مصالح طبقيّة تحت قناع ايديولوجي. فماهي الإعتراضات التاريخية على كيان الدّولة؟ إذا كان ظهور الدّولة مقترنا بظهور الملكية الفردية والتقسيم الطبقي للعمل فإنها ستكون بمثابة الجهاز المحافظ على مصالح الطبقة المالكة لوسائل الإنتاج، وبذلك نتطرق إلى دولة العبوديّة ثمّ دولة الإقطاعيين ضدّ الأقنان ودولة البورجوازية ضدّ العمّال، ويكشف تاريخ الإنسانية أن »الدّولة أداة قسر طبقي« بعبارة »لينين«، وأن قوانينها ليست محايدة، بل تتظاهر بذلك ولكنها مورطة في الإنحياز الطبقي... وبما أنّ الصّراع الطبقي محرّك التّاريخ فإن كل تبدّل في علاقات الانتاج يشهد شكلا جديدا للدّولة وصولا إلى الدولة البورجوازية ثمّ الدولة الإمبرياليّة، فهل يتوقف التاريخ عند هذا العصر؟ يقول »سمير أمين«: »الرّأسمالية لا تمثل نهاية التاريخ. ولابد من إحلال نظام آخر محلّها«. (راجع نصّ سمير أمين كتاب الرابعة آداب ص 181 الجزء الأول). إنّ هذا الفهم يدعو إلى التنبّئ بحتميّة زوال الدولة، لا سيما وأن مشاكل الإنسانيّة اليوم أصبحت متخذة للصفة البنيوية. ويمكن أن نختزلها في العناوين التاليّة: ❊ تراكم رأس المال في دول المركز وفقر دول الأطراف يقلل الطلب ويفرض أزمة اقتصاديّة. ❊ دخول عصر »الرّوبوتية« وتفاقم البطالة بإحلال الآلة محل العامل. ❊ التسابق على الأسلحة. ❊ الإنفجار الديموغرافي وتأخر الوفايات بسبب تطور التقنيات الطبيّة... كل ذلك يدعو بالضرورة إلى اعادة توزيع الثروة وإقامة نظام عالمي جديد خال من العنف وربما ذلك ما دعت له الماركسيّة حين تنبأت بحتميّة زوال الدّولة، بحيث يتم ذلك بشكل تدريجي عندها تسود »الأممية البروليتارية« بمعنى أن تقوم إدارة عالمية وتفقد الدّولة مبرّرات وجودها يقول »انڤلز« »إن ماكينة الدولة ستؤول الى الموقع الذي سيصبح منذ الآن هو موضعها اي متحف الأثريات بجانب العجلة والفأس«. (راجع كتاب: أصل العائلة والملكيّة الخاصة والدّولة). ❊ لحظة النقاش وابداء الرّأي ولكن يبدو أن هذا المطلب بعيد المنال في عصر يراوده هاجس العنف ممّا يؤدي بالضرورة الى الإرتياب من فكرة زوال الدّولة، فهل يكون التظنن على الدّولة مطلبا تسعى له الإنسانيّة سعيا إلى الكونيّة أم هو محاولة استعمارية تسعى العولمة لتحقيقها؟ ❊ بالرغم من التجانس الثقافي الذي تفرضه وسائل الإتصال وبالرّغم من الهجرة التي تفرض التثاقف والإنصهار الثقافي فإن التخوف من العولمة له مبرّراته. فحين نجد »ستيفان كاستيلاس« يقول: »يلزمنا نموذج جديد للمواطنة العالميّة يحــطم الرّابطة بين الإنتماء والإقليمية« (راجع كتاب العلوم ص 317). فإن ذلك يدعو إلى الخوف من إندثار الهوية لأنّ الدّولة رمز الهوية والتاريخ، إذ غالبا ما نجد اعتقادًا يؤكد أنّ المساس بالدولة الوطن تهديدًا للخصوصيّة. ❊ وجود مغالطة بين العولمة التي هي عولمة المصالح، والكونيّة التي هي كونيّة القيم. ويبين »بودريار« »عولمة التبادلات تضم نهاية لكينونة القيم«. وهذا ما يجعل الإنسانيّة تخشى من شعارات الدّيمقراطية التي تحجب المفهوم الحقيقي لهذه الفكرة يقول »بودريار«: »الكوني نفسه تعولم، والدّيمقراطية وحقوق الإنسان تعبر الحدود كأي نتاج عالمي، كالنفط أو رؤوس الأموال«. ❊ لقد أصبح الدّفاع عن كيان الدّولة مقترنا بالمسألة الوطنيّة، وهذا مشروع في عصر الإمبرياليّة، ومن ثمّة يقوم التمسك بدولة حقوق الإنسان، أيّ تلك التي تستمد مشروعيتها من مبادئ حقوق الإنسان كما تبيّن »حنا أرنت«: »صارت مسألة حقوق الإنسان كلّها مقترنة بمسألة التحرّر الوطني اقترانا يعسر فكّه« فلا يمكن الحديث عن مواطنة عالميّة في عصرلم تجد فيه الشعوب حقوق المواطنة داخل دولتها. ❊ الخاتمة: إن التفكير في جدوى الدّولة اليوم يدفعنا إلى التمسّك بحق الإنسان في الكرامة والحرّية والديمقراطيّة، وفي أن يكون غاية كلّ عملية سياسية وغاية كلّ القوانين وذلك ما يحدّ من حجة القوّة لتتفوق قوّة الحجة. ❊ المقدّمة: يمكن للتلميذ أن ينطلق من التمهيد التالي: إنّ الإنتماء الى المجتمع يدفع بالضرورة إلى قيام تنظيم حقوقي يسوس الحياة الإجتماعية وتعتبر الدولة أرقى أشكال هذا التنظيم. ❊ إثارة المشكل: بدت الدّولة صفة ملازمة للمجتمع المدني، ولكنّ تطور الحضارة الإنسانية سيكشف حدود فاعلية الدّولة في تجسيم مطلب الكونيّة وانفتاح الحضارات على بعضها. (الإشكاليّة راجع العمل التحضيري).
التّضحية بالسّعادة عند »كانط«
الاستاذ: سنان العزّابي
يتأسس المشروع الاخلاقي عند »كانط« على نوع من الريبة المفرطة تجاه كل غرضية قد تمثل اغترابا للارادة، وفي الحقيقة فإن تصور الألم باعتباره محتّما كلما عوّلنا على الاشياء التي لا تقع تحت طائلة ارادتنا، ليس منظورا جديدا في الفلسفة اذ من الواضح أن »كانط« استعاد فيه أطروحات الرواقية وأساسا »إبيكتات«. لقد شكل هاجس البحث عن معايير اخلاقية ملازمة لإرادة البشر، ويمكن للجميع تبنيها، جوهر أطروحة »كانط« في مسألة العلاقة بين الفضيلة والسعادة، ذلك ان الكانطية رامت التأسيس لعالم دون عنف ولا صراع وهو الامر الذي يبدو مستحيلا دون تقرير سيادة الفضيلة على السعادة. ما هي إذن المبررات التي قادت »كانط« الى رفض المطابقة بين السعادة والفضيلة والى تأسيس الفضيلة الاخلاقية على مطلب السعادة؟ إن السعادة منظورا إليها من زاوية الفرد هي ما يتحقق في انسجام مع أمنياتنا ورغباتنا فهي إذن حالة إرضاء وإشباع للنوازع تتراوح بين النسبية والاطلاقية بحيث قد تنشدّ الى الفرح واللذة والبهجة كمشاعر وقتية وبين الغبطة كحالة مثالية لأهل الحكمة كما تصور بعض الفلاسفة حيث الغبطة لديهم حالة رضاء تام تغطي كامل وعينا يبلغها الحكيم بالتأمل كما تصور ذلك مثلا »أرسطو« و »الرواقيون« و »سبنوزا« وغيرهم. لقد استوجب الأمر على »كانط«، وتوافقا مع سؤاله المركزي »ماذا يجب عليّ أن أفعل؟«، أن يتصدى لكل أطروحات فلسفات اللذة أو السعادة (Les Eudémonistes) أي تلك التي تعتبر ان البحث عن السعادة يمكن ان يكون مبدأ سلوكنا، الذي يشرح »كانط« في كتاب »أسس ميتافيزيقا الأخلاق« اللاتحدد الذي يصادفنا كلما، رمنا أن نجعل من السعادة موضوعا للمعرفة ويبرر بإسهاب كيف أن السعادة ليست مثلا أعلى للعقل وبالتالي هي ممتنعة عن مطلب الكلي. سيوضح »كانط« في هذا السياق أن السعادة مبنية على عناصر حسيّة وخبريّة، ففي الواقع هناك سعادات تبعا لتعدد المنافع والخيرات أي تبعا لما يتصوره كلّ فرد مشبعا لرغتبه الخاصة. بناءا على ذلك قد يرى البعض السعادة في نيل المناصب والبعض في المال وآخرون في الصحة وآخرون في العلم وهذا يعني أن عناصر مفهوم السعادة ستتغير بحسب ما يراه كل فرد مرضيا له، والنتيجة هي ان ارتباط السعادة بالغرضيّة وبالنفع هي ما يفسر عدم قدرتنا على تأليف حكم كلّي حول السعادة. إن ارتباط السعادة بأحداث »إمبريقية« يجعل مضمونها عرضيا بحيث لا تملك رغباتنا عليه سلطة وممّا يترتب عن ذلك ان اقامة السلوك على معطيات لا متحددة سيجعل من السلوك نفسه لا متحددا وبالتالي فاقدا لأي معنى: »أن نبحث لأجل أن نحدد بصورة يقينيّة وعامة عن ما هو التصرف الذي يمكنه ان يضمن سعادة كائن عاقل، هو مشكل مستعص بالجملة عن الحلّ«. هذا ما يقوله لنا كتاب »أسس ميتافيزيقا الأخلاق« وعلينا ان نفهم من ذلك عجزنا وعجز كل فرد على أن يتصور سعادته وفق قاعدة كلّية، إذ يلزمني لأجل ذلك ان أكون قادرا على تأمل حياتي بمجملها اي ماضيها وحاضرها ومستقبلها وهو أمر متعذر. إن هذا التعذّر هو بالضبط ما قد لا يمنع من أن يتحوّل مصدر سعادتي اليوم الى مصدر أكبر الآلام غدا تماما كما في حال خروج قاطع طريق على ثري سعادته في جمع المال وحينئذ يكون مصدر السعادة سببا مباشرا لمواجهة ألم الموت. إن السعادة إذن من طبيعة شرطية، يحدّها الزمان والمكان والغرض وهي بذلك من صميم اللاتحدّد ولهذا اعتبرها »كانط« »مثلا أعلى للخيال«، أي مثل يستند على مضمون خارجي، لا محدد وبالتالي غير قادر على ان يعطينا قاعدة ثابتة للسلوك. إن إدراك »كانط« ان الاخلاق هي أولا وأخيرا ما يربطنا بالغير وأن العلاقة بالغير يلزمها ان تبنى خارج أفكار النفع والغرضية، هو ما سيقوده الى الاعتراض على الأمر الشرطي بالأمر القطعي: »إفعل فقط طبقا للمبدأ الذاتي الذي يجعلك تريد له في الوقت نفسه ان يصير قانونا كليا«. يتعلق الأمر هنا بصيغة عقلية صورية خالصة يعرض من خلالها كانط القانون الأخلاقي الذي على النقيض من اللهث وراء السعادة يحدد واجبا لا يتوقف على الاحداث الخارجية ونزيه عن الغرضية مهما كان طبيعتها حتى وإن تعلق الامر بالرغبة في رضاء الضمير: يقول »كانط« في كتاب »نقد العقل العملي«: »بما أن جميع المبادئ المحددة للإرادة باستثناء قانون العقل العملي المحض (القانون الأخلاقي)، هي مبادئ خيرية وبذلك ترتبط بمبدأ السعادة، فإنه يلزم فصلها جميعا عن المبدأ الاخلاقي الأسمى« ويواصل »كانط« شارحا كيف ان محاولة الخلط بين القانون الاخلاقي وأي مبدأ للسعادة هو تحطيم واغتراب لكل قيمة أخلاقية. الأخلاق الحقّة، إذن لا علاقة لها بأي شكل من أشكال المصلحة وطاعة الارادة لأوامر العقل لا غرض لها سوى احترام الواجب لذاته لا لشيء اخر وتأسيسا على ذلك فإن احترام الغير كإنسان في كرامته هو شعور أنبل من العمل على تحقيق سعادته. لقد ربط »كانط« الخير باستقلال الارادة وطاعتها لأوامر العقل ولذلك فقد أسس لفضيلة متعالية هي عنده نشدان الارادة لذاتها بصفتها إرادة مستقلة تحترم الواجب لذاته. هل يتعلق الامر عند »كانط« بتناقض بين السعادة والفضيلة؟ بشكل عام وموجز يمكن القول ان »كانط« قصد وضع حدود الاختلاف بين الفضيلة والسعادة لكن دون الانتهاء الى الاقرار بتعارضهما كما وضّح هو ذلك في كتاب »نقد العقل العملي« إنّ وضع حدود امام »معرفة« السعادة سيكون في ذات اللحظة استدعاء للسعادة فيما وراء العقل وأبعد منه ذلك ان التفكير في موضوع السعادة لا يمكنه ان يبلغ مداه دون مخالفة العقل نفسه. لقد أوضح »كانط« في هذا السياق أن السعادة يمكنها تثبيت الالتزام الاخلاقي غير أنه من الممكن ايضا ان تصيب الفضيلة بالضرر حين لا يحصل عليها من التزم لأجلها بالفضيلة، بناءا على ذلك يبدو من الواضح ان التمسك بالفضيلة ليس حائلا دون ان نكون سعداء لكنه من الواضح ايضا انه لا يحقق ضرورة السعادة. بهذا الشكل يحق القول بأن الفضيلة وان كانت لا تجعلنا ضرورة سعداء فإنها يمكن ان تجعلنا »جديرين بالسعادة«. ما الذي قصده »كانط« بفكرة الجدارة بالسعادة؟ يفسح »كانط« المجال لعنصر الدين لكي يجعل من السعادة آملا أخرويا تناله ارادة تجانست مع »إرادة الالاه وهو التناغم الذي يسميه »كانط« »الخير الأسمى« ذلك ان استحقاقنا للسعادة في عالم الالاه سيكون محصلة أخلاقيتنا ككائنات عاقلة، ففي عالم الالاه فقط يمكن الحديث عن هذا الخير الأسمى الذي هو عين تطابق الفضيلة والسعادة. لا ينبغي إذن ان نفكرّ في أن نصبح سعداء بل فقط كيف نكون جديرين ومستحقين للسعادة: إن قاعدة السلوك يجب أن تكون دائما الالتزام بالقانون الاخلاقي أمّا السعادة فهي أملٌ يشدّ الكائن العاقل الى ما وراء حدود العقل. إن لا واقعية كانط هي أمر يجمع عليه أغلب نقاده ولذلك سنلاحظ أن الفلسفة المعاصرة ستعود في مسألة السعادة الى »أرسطوا« أكثر منه الى »كانط« ففي عصر مثل عصرنا انشدّ فيه مفهوم السعادة الى معاني الرفاه واللذّة ومقاومة الألم يصعب إقناع أحد بأن »سيزيف كان سعيدا«.
دراسة في تقنيات المسرح الملحمي في »مغامرة رأس المملوك جابر« لونّوس
إعداد :مراد الحاجي: أستاذ مبرز ـ تونس
ليس الفن بمعزل عن الحياة الإنسانية وتطورها لذلك كان كلّ تطور أو تغيير يطال بعدا من أبعاد الحياة يجد له أثرا في الفن. فالفن باعتباره رؤية للكون وتصورا للوجود يتأثر بالرؤى الأخرى سواء أكانت الدين أم الفلسفة أم العلم، بل هو يتأثر بالرجات والأزمات التي تحدث في تاريخ البشرية . فكم من مدرسة فنية نشأت نتيجة لحدث سياسي مفصلي أو لتغير في موقف فكري أو نشأة ايديولوجيا ناهضة؟ ولعل هذا الأمر ينطبق على المسرح باعتباره قد عرف تحولات عديدة ناتجة عن تطورات فكرية وفلسفية غيرت النظرة إلى الكون والى الإنسان وحددت للمسرح وظائف جديدة تطلّبت بدورها تطوير المسرح ذاته. إن المسرح الملحمي قد قام على خلفية وعي بأن العالم قد تغير ولم تعد الأشكال الدرامية التقليدية قادرة على استيعاب الواقع والتعبير عنه ولا على فهمه وهي أيضا لم تعد تستجيب لطموحات الإنسان المعاصر سواء كان مسرحيا أو إنسانا عاديا. وقد ظهرت هذه القناعة في قول »برشت«: »إن العالم الحديث لم يعد قادرا على الانخراط في الأشكال الدرامية الموجودة لأن هذه الأشكال الدرامية لم تعد تتناسب مع عالمنا« (1)، من هنا نفهم أن هذا المسرح مثل تمردا على الأشكال الدرامية القديمة ومحاولة لتأسيس أشكال مسرحية جديدة تتلاءم مع الواقع المعيش وتعبر عن الإنسان المعاصر وتقطع مع الماضي إذ أن الرؤية للكون والإنسان قد تغيرت بسبب التطورات التي شهدها الفكر الإنساني. إن الرؤية الميتافزيقية للعالم هي التي نشأ في ظلها المسرح وهو ما جعلها تتحكم في تحديد الأشكال الدرامية القديمة في ضوء رؤيتها للكون والإنسان. فهي رؤية تقوم على الإنسان، هو ذلك الكائن الضعيف الخاضع للأقدار التي تصرفها الآلهة كيفما تشاء وهي التي تحدد مصيره الذي لا فكاك له منه . وقد انعكست هذه الرؤية في المسرح فكان الصراع الدرامي صراعا غير متكافئ بين الإنسان الضعيف والأقدار العاصفة التي ترتّبها الآلهة فتتقاذف الكائن البشري أياد خفية وقوى غيبية لا مهرب له من الخضوع لمشيئتها، وهو ما جعله في النهاية يرضى بالمصير المحتوم لأنه مهما صارع فإن انتصار القوى الغيبية هو النتيجة الحتمية للصراع، والجهد الإنساني محكوم بالفشل بالضرورة وهو بذلك يخوض صراعا خاسرا لا منطلق له أحيانا لأن ما ترتّبه الآلهة قد يكون غير مفهوم أحيانا. لقد شهد العالم تطورات علمية وفكرية وفلسفية سمحت بتعدد الرؤى وتجاوز بعضها للرؤية الميتافيزيقية للإنسان أو القطع معها. وقد كان رواد المسرح الملحمي ممن تبنوا إحدى هذه الرؤى وهي الرؤية الماركسيّة التي ترى صراع الإنسان الحقيقي ليس ضد القوى الغيبية القاهرة وإنما ضد البنى الاجتماعية والسياسية القائمة. ومن هنا فهي ترى أن الإنسان المقموع أو المسحوق وجد نفسه في ذلك الوضع لا لأن ذاك هو قدره الذي رتّبته له الآلهة ولكن لأن البنى الاجتماعية والسيا
|
|
|
|
 |
|
| المحاور الرئيسية |
|
| الخدمــات |
|
|
| التصويت |
| متى حصلت على آخر ترقية ؟ |
 |
|
|
التحميل
|
 |
الاولى للتحميل
|
|